‫الرئيسية‬ مقالات شئ للوطن م.صلاح غريبة – مصر أفق الإعلام السوداني ومخرجات مؤتمر «IMMA».. ضرورة المواءمة نحو الاستدامة
مقالات - أكتوبر 20, 2025

شئ للوطن م.صلاح غريبة – مصر أفق الإعلام السوداني ومخرجات مؤتمر «IMMA».. ضرورة المواءمة نحو الاستدامة

Ghariba2013@gmail.com

شهدت القاهرة، للمرة الأولى في تاريخها، استضافة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، عبر قسم الصحافة والإعلام بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة، للمؤتمر السنوي الـ19 للرابطة الأكاديمية الدولية لإدارة الإعلام لعام 2025، «IMMA»، تحت شعار محوري هو «إدارة الابتكار والإبداع من أجل استدامة المؤسسات الإعلامية». لقد كانت مشاركتي في مناقشات هذا المحفل الدولي، الذي ترأسته الدكتورة رشا علام، وأثرته نخبة من الأكاديميين والمتخصصين وقادة الإعلام العالميين، بمثابة نافذة واسعة على مستقبل الصناعة الإعلامية، وضرورة ملحة للتفكير العميق في واقع ومستقبل الإعلام السوداني.

كانت الأجواء النقاشية خلال المؤتمر، وبالأخص في يومه الثاني، تدور في فلك التحديات الوجودية والإدارية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات الإعلامية عالميًا ومحليًا، مع تركيز خاص على نقطتي الارتكاز الأهم: توظيف الذكاء الاصطناعي (AI) والابتكار في المحتوى.

لفتت الجلسات الانتباه إلى التحولات الجذرية، فمن جلسة «الابتكار والإبداع.. أدوار متطورة في الإعلام وإنتاج المحتوى الرقمي»، استمعنا إلى الدكتورة تينا بيريسين من جامعة زغرب، وهي تسلط الضوء على مفهوم «الصحافة البناءة». هذا النوع من الصحافة لا يكتفي بعرض المشكلة أو النقد، بل يتعداه ليقدم حلولًا مبتكرة ومعلومات تُثري الجمهور وتجعل المحتوى أكثر جاذبية، مستفيدًا من آليات الذكاء الاصطناعي في توظيف السرد والرسوم المتحركة والفيديو. رسالتها كانت واضحة: النقد البناء لا يعني تجاهل القضايا، بل تقديمها مع دليل على إمكانية حلها، وهو ما يعزز مصداقية المهنة.

في سياق متصل، قدمت جلسة «آفاق التكنولوجيا في الإعلام.. الذكاء الاصطناعي والأمن والابتكار» رؤى معمقة حول أنماط الذكاء الاصطناعي، وخاصة الانتقال من الذكاء الاصطناعي التوليدي (مثل Chat GPT) إلى الأنماط الأكثر تطوراً مثل (Agentic AI)، وهي أنظمة مستقلة قادرة على التخطيط والتنفيذ الاستباقي للمهام المعقدة بأقل تدخل بشري. هنا، طرح المتحدثون، ومنهم المهندس أحمد سلامة من مايكروسوفت وخبراء من سيسكو ويونسكو وآي بي إم، إشكاليات توازن بين الإنتاجية مقابل الإبداع ومسألة الأمن وحماية البيانات في ظل هذا التطور الهائل، مُعتبرين البيانات (بفئاتها المختلفة: الداخلية والسرية والعامة) هي الوقود الرئيسي للذكاء الاصطناعي.

إن مخرجات مؤتمر «IMMA» تحمل في طياتها خارطة طريق لا غنى عنها لأي مؤسسة إعلامية تطمح للاستدامة، وهنا تكمن ضرورة مواءمة الإعلام السوداني لهذه المخرجات.

يواجه الإعلام السوداني، في ظل الظروف الراهنة والتحديات الاقتصادية والسياسية المعقدة، تحديات مضاعفة تستدعي تبني الابتكار والإبداع كاستراتيجية بقاء لا كخيار ترفي. يجب أن يكون المؤتمر جرس إنذار ومحفزًا لاحتضان الذكاء الاصطناعي لا مقاومته، فالذكاء الاصطناعي “صار أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله”، كما ذكرت د. بيريسين. على المؤسسات الإعلامية السودانية البدء فورًا في استكشاف كيف يمكن لهذه التقنيات، سواء التوليدية أو المتقدمة (Agentic AI)، أن ترفع كفاءة الإنتاجية، تخفض التكاليف، وتوفر محتوى رقمي مبتكر وجذاب، مع التأكيد على أهمية تدريب الصحفيين على الإلمام بجميع المعارف المتعلقة به.

ضرورة التحول نحو «الصحافة البناءة»، الإعلام السوداني مطالب بأن يتجاوز مرحلة النقد وتقديم المشكلات فقط، إلى تقديم حلول ومبادرات مبتكرة. في بلد يمر بظروف صعبة، الجمهور لا يحتاج فقط إلى نقل معاناة، بل يحتاج إلى قصص تمنح الأمل، وتُسلط الضوء على إمكانية الحلول، وتجارب النجاح المحلية والإقليمية، لتعزيز الثقة في المستقبل والمساهمة الفاعلة في التنمية المجتمعية.

إدارة البيانات والأمن السيبراني، في ظل الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية، يجب أن تصبح إدارة البيانات وحمايتها أولوية قصوى. البيانات هي «وقود» الذكاء الاصطناعي، وإدارتها بكفاءة وأمان هي أساس بناء نماذج عمل إعلامية مستدامة تحافظ على خصوصية المستخدمين ومصداقية المحتوى.

الاستثمار في المصداقية، حيث أكدت د. بيريسين أن الشيء الوحيد الذي يؤثر سلبًا على الصحافة هو «أن تفقد مصداقيتها». المصداقية في الإعلام السوداني هي رأس مالها الحقيقي في بيئة تعج بالشائعات والمعلومات المضللة. الابتكار التقني لا يجب أن يطغى على التزام الصحفي الميداني بجمع المعلومات والتثقيف وإحاطة الجمهور بالحقائق.

المشاركة في مؤتمر «IMMA» لم تكن مجرد حضور أكاديمي، بل كانت تأكيدًا على أن استدامة المؤسسات الإعلامية العالمية والمحلية، بما فيها السودانية، مرهونة بقدرتها على إدارة الابتكار والإبداع بفعالية. التحدي ليس في استنساخ التجربة العالمية، بل في تكييف مخرجاتها لتلائم سياقنا الخاص، والتحرك بجرأة ووعي نحو المستقبل الرقمي. الإعلام السوداني يستحق أن يعيش، وبقاؤه مرهون بمدى سرعة مواءمته لهذه التحولات الجذرية.

‫شاهد أيضًا‬

الإضراب يهدد ما تبقى

في السادس عشر من نوفمبر من العام الماضي كتبت مقالا تناولت فيه الدعوة لإضراب أساتذة الجامعا…