‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين نار الحرب والمؤامرات الخارجية والتخاذل الدولي  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات
مقالات - أكتوبر 31, 2025

السودان بين نار الحرب والمؤامرات الخارجية والتخاذل الدولي  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات

المستشار الاستراتيجي ومسؤول ملف السودان للتنمية المستدامة

السفير الفخري لمنظمة UNASDG

 

يشهد السودان اليوم مرحلة من أدق وأخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث تتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية على نحو غير مسبوق في ظل حرب عبثية مدمّرة، تتداخل فيها أطراف داخلية فقدت بوصلتها الوطنية مع قوى خارجية تتلاعب بمصير الوطن بحثًا عن نفوذ ومصالح، ولو على أنقاض الخراب ودماء الأبرياء.

 

المدن تُدمَّر، القرى تُحرق، والملايين من أبناء الوطن باتوا نازحين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فيما تستمر جرائم القتل والتشريد والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، على يد ميليشيات آل دقلو الإرهابية التي تعمل على تقويض مؤسسات الدولة واغتصاب سيادتها بقوة السلاح، مدفوعة بدعمٍ خارجي مكشوف وممنهج.

 

إنّ ما يجري في السودان لا يمكن وصفه بصراع داخلي على السلطة فحسب، بل هو مؤامرة إقليمية واضحة المعالم تهدف إلى تفكيك السودان، وتدمير نسيجه الاجتماعي، والسيطرة على قراره السياسي والاقتصادي. وقد بات دعم بعض الدول الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، لهذه المليشيات المسلحة أمرًا مثبتًا ومتداولًا، ما يشكّل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، ويستوجب موقفًا دوليًا صارمًا ومسؤولًا.

 

أولًا: المجلس السيادي الانتقالي

على المجلس السيادي أن يتحمّل مسؤوليته الدستورية والتاريخية كاملة في حماية الوطن والمواطن ومؤسسات الدولة. المطلوب الآن إعلان خطة وطنية عاجلة للدفاع عن السودان في وجه كل التهديدات، ووضع آلية لحماية المدنيين والمناطق الحيوية تحت إشراف القوات المسلحة السودانية وبالتنسيق مع الجهات الدولية الموثوقة.

كما يجب إنشاء لجنة وطنية مستقلة لتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها، وتقديم الجناة إلى العدالة، مع اتخاذ إجراءات عسكرية وقانونية رادعة تضمن حماية السيادة الوطنية.

وفي الوقت ذاته، ينبغي تعزيز روح الوحدة والانضباط داخل القوات المسلحة السودانية، ورفض أي وصاية أو اتفاق تُفرض شروطه من قِبَل أطراف أجنبية تموّل الحرب وتستثمر في معاناة الشعب السوداني.

ثانيًا: الحكومة السودانية

يتوجب على الحكومة أن تعمل على تشكيل جبهة مدنية موحّدة تتحدث باسم الوطن، وتضع مصلحة السودان فوق أي اعتبار سياسي أو جهوي.

كما يجب إعلان حالة الطوارئ الإنسانية رسميًا، وتسهيل عمل المنظمات الإغاثية الدولية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق المتضررة.

إنّ التحدي الراهن يتطلب إدارة مدنية رشيدة تمتلك الشجاعة والرؤية، وتكون قادرة على تحويل مأساة الحرب إلى فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمواطنة.

ثالثًا: الشعب السوداني

على الشعب السوداني أن يظل متماسكًا وموحدًا في وجه محاولات التفرقة وزرع الفتن.

السودان لن يُبنى إلا بسواعد أبنائه المؤمنين بالوطن والعدالة والسلام.

يجب على لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني أن تقوم بدورها في توثيق الجرائم والانتهاكات بطريقة قانونية ومنظمة، وأن تعمل على حماية النسيج الاجتماعي من الانهيار، في الوقت الذي يُطلب فيه من رجال الأعمال والخبراء والعلماء السودانيين داخل البلاد وخارجها المساهمة في تأسيس صندوق وطني لدعم الوطن والمواطن، يوجّه موارده لإعادة الإعمار ودعم الاستقرار المؤسسي والاجتماعي.

رابعًا: المجتمع الدولي

لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يخرج من دائرة الصمت والتردد، ويتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية إزاء ما يتعرض له السودان من جرائم وانتهاكات.

إنّ الصمت في هذه المرحلة جريمة في حد ذاته، والتواطؤ بأي شكل كان مرفوض ومخالف للمواثيق الدولية.

يجب فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية مشددة على دولة الإمارات العربية المتحدة وكل الأطراف التي ثبت دعمها وتمويلها للميليشيات الإرهابية، مع تفعيل قرارات حظر السلاح، وفتح تحقيقات أممية ودولية مستقلة ضد كل من يشارك في تسليح أو تمويل مرتكبي الجرائم.

الشعب السوداني لا يحتاج إلى بيانات قلق جديدة، بل إلى مواقف شجاعة وإجراءات عملية توقف نزيف الدم وتحمي المدنيين وتعيد للسودان سيادته وكرامته.

خاتمة

السودان اليوم ينزف، لكنه لم يمت، ولن يموت. فما زال فيه من النبل والعزيمة والإيمان ما يجعله قادرًا على النهوض من تحت الركام، متى ما توحدت إرادته الوطنية وتوفرت الإرادة الدولية الصادقة.

إنني، بصفتي القانونية والإنسانية، أدعو المجتمع الدولي، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، وكل القوى الحرة في العالم، إلى تحرك عاجل وشجاع ومسؤول لإنقاذ السودان من هذه الكارثة التي تهدد وجوده كدولة وكأمة.

وليعلم العالم أن صوت الحق لا يُقهر،

وأن السودان — برغم الجراح — سيعود أقوى، أنقى، وأشدّ وحدة من أي وقت مضى.

‫شاهد أيضًا‬

قرار أمريكي يثير الجدل..تصنيف الإخوان في السودان إرهابيين وتجاهل جرائم المليشيا

د. شمينا: تصنيف الإخوان محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن أزماتها وتجاهل جرائم المليشيا  …