‫الرئيسية‬ مقالات الشطرنج السائل: فن البقاء في جغرافيا المصير قريب الله العوض
مقالات - نوفمبر 4, 2025

الشطرنج السائل: فن البقاء في جغرافيا المصير قريب الله العوض

إن الصراع الجيوسياسي في منطقتنا اليوم يشبه إلى حد كبير لعبة شطرنج معقدة لكن على رقعة متحركة لا تستقر أبداً، حيث لم تعد التحالفات التقليدية القائمة على معسكرات ثابتة أو ولاءات تاريخية مجردة كافية لفك شفرات هذا المشهد المتشابك الذي يلف منطقتنا. لقد تحولت الجغرافيا من مجرد حدود ترسم على الخرائط إلى مصير فعلي يتحكم في مسارات الشعوب ومصائر الدول، فأصبح الموقع الجغرافي وسيلة للقوة تارة وسبباً للضعف تارة أخرى ففي هذه البيئة السائلة التي تذوب فيها اليقينيات وتتبخر فيها الضمانات تتحول الدبلوماسية من فن التفاوض الهادئ إلى مهارة البقاء في دوامة متجددة من التحالفات الهشة والمواثيق المؤقتة والوعود القابلة للكسر عند أول اختبار حقيقي. لقد أصبح السودان نفسه نموذجاً صارخاً لهذا التحول، فهو لم يعد مجرد مسرح للصراع أو متلقياً لتأثيرات القوى الخارجية بل أصبح جزءاً فاعلاً في المعادلة الإقليمية، حيث يتحول موقعه الجغرافي الاستراتيجي وموارده الطبيعية من نعمة يمكن أن تتحقق إلى نقمة تزيد من تعقيد المشهد.

 

فهذا الموقع جعل من السودان حلبة مفتوحة للتنافس الإقليمي بين قوى متعددة تتصارع على النفوذ وتتقاتل على الموارد وتتلاعب بالخيوط من خلف الكواليس. فالخطر الحقيقي الذي يهدد مستقبل منطقتنا لا يكمن فقط في هذه التنافسات الخارجية بل في استمرار النخب المحلية في التعامل مع هذه التعقيدات بمنطق القرون الماضية وأدوات العصور البائدة، بينما القوى الفاعلة الإقليمية والدولية تستخدم أحدث أدوات العصر من حروب هجينة تشمل الأبعاد كافة اقتصادات موازية وتمويل ظل وأدوات سيبرانية ومعرفية. لذلك فإن الفجوة بين عقلية النخب المحلية المسلحة بأدوات الماضي وبين تعقيدات الحاضر تشكل تهديداً وجودياً يفوق أي تهديد عسكري تقليدي. الحل لا يكمن في الانحياز الكامل لأي محور أو التبعية العمياء لأي قوة،

 

فهذه الخيارات لم تعد مجدية في عالم تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه العلاقات بشكل غير مسبوق. المخرج الحقيقي يكمن في فهم عميق لتداخل هذه الشبكات المعقدة وإيجاد مساحات للحركة بينها، واستغلال الهوامش المتاحة بذكاء وحكمة.

 

فالنجاح في هذا المشهد المتشابك لم يعد حكراً على الأقوى عسكرياً أو الأغنى اقتصادياً، بل أصبح من نصيب الأذكى الذي يستطيع قراءة الخريطة المتشابكة للمصالح والولاءات المتقاطعة، والذي يبني تحالفات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن الثوابت الوطنية. فالمرونة الذكية هي سلاح الضعفاء والأقوياء معاً في هذا العصر، فأصبحت القدرة على المناورة بين القوى الكبرى دون الاصطدام المباشر معها، والاستفادة من تناقضاتها دون الوقوع في فخ الاختيار بينها، هي الفن الأعلى للسياسة في زنزانتنا الإقليمية.

 

فمنطقتنا أصبحت ساحة لصراع متعدد المستويات، حيث تتداخل الصراعات الدينية مع التنافسات الاقتصادية وتتقاطع المصالج الجيوسياسية مع الحسابات الأيديولوجية، في خليط معقد يحتاج إلى عيون متعددة الرؤية لتفكيكه.

 

إن الدول التي تدرك أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني الانكفاء على الذات بل الإدارة الذكية للتبعيات المتبادلة، هي التي ستتمكن من عبور هذا المضيق بسلام. فبناء تحالفات مرنة لا يعني التخلي عن المبادئ أو المساومة على الثوابت، بل يعني إدراك أن عالم اليوم لا مكان فيه للثوابت الصلبة والتحالفات الأبدية، وأن البقاء فيه حكر على من يستطيع التكيف مع المتغيرات دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن جوهر مصالحه.

 

من هذه المنطلقات أظن أن مستقبل منطقتنا سيتحدد بقدرة نخبها على قراءة هذه التحولات الجيوسياسية العميقة واستيعاب منطقها الداخلي، وفهم أن القوة لم تعد في التجمعات الصلبة بل في الشبكات المرنة، ولم تعد في المواجهة المباشرة بل في المناورة الذكية، ولم تعد في التمسك الحرفي بالحدود بل في إدارة التدفقات عبر هذه الحدود. فمن يدرك أن الجغرافيا لم تعد سجناً بل أصبحت شبكة من العلاقات، وأن التاريخ لم يصبح حملاً ثقيلاً بل مخزوناً من الخبرات، هو الذي سيكون قادراً على كتابة مستقبله في هذه اللعبة المعقدة التي تتحرك فيها كل القطع في وقت واحد.

‫شاهد أيضًا‬

توجيهات بالإسراع في استكمال أعمال مستشفى الشعب وتحسين الخدمات

قام الدكتور محمود البدري، المدير العام لوزارة الصحة بولاية الخرطوم، بزيارة تفقدية إلى مستش…