حديث الساعة إلهام سالم منصور حكومة الأمل… سرعان ما فقد الأمل

تحليل:
قبل فترة ليست بالبعيدة، برز اسم البروفيسور كامل إدريس كمرشح واعد لتولي منصب رئيس وزراء السودان، حيث قدم برنامجه السياسي طامحًا في قيادة مرحلة جديدة مختلفة عن الماضي. لم يحظَ كامل حينها بالدعم الكافي، وظل المشهد السياسي متوقفًا لفترة طويلة على وقع الفراغ في منصب رئاسة الوزراء، والذي كان يتولاه بالوكالة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية.
غير أن الأمور تغيرت فجأة قبل عدة أشهر، عندما أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان تعيين البروفيسور كامل إدريس رئيسًا لمجلس وزراء السودان، ما مثل نقطة أمل جديدة للمواطن السوداني الذي كان يئن تحت وطأة الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة.
ظهر كامل إدريس في مراسم تعيينه بحضور رسمي وشعبي، وكانت سجوده على بساط مطار بورتسودان علامة رمزية لبدء عهد جديد يُبشر بالخير. أطلق رئيس الوزراء الجديد وعودًا ذهبية بتشكيل حكومة تعتمد على الكفاءات الشبابية والعلمية بعيدًا عن الجهوية والعنصرية والحزبية التي عانت منها البلاد لعقود طويلة. وعد أن تكون الحكومة جديدة في ممارستها، تعالج ملفات التنمية والإصلاح بروح شبابية وعلمية تحترم تطلعات المواطن.
لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل.
فبدلًا من أن تكون حكومة الكفاءات الشبابية الواعدة، شهدنا تعيينات تنتمي إلى قيادات تاريخية عفى عليها الدهر، وأسماء عادت من صفحات الماضي التي حاول السودانيون تجاوزها. كما كانت التعيينات في الوزارات والمناصب القيادية محصورة في كبار السن، وكأن الحكومة عادت إلى نمطها التقليدي الذي يغلب عليه “الشيخوخة السياسية” وأصحاب الإعراز والمصالح الخاصة.
وقد أفضى هذا الانحراف عن المسار المعلن إلى شعور واسع بين الشارع السوداني بأن حكومة الأمل سرعان ما فقدت بريقها، وتحولت إلى نسخة مكررة من الحكومات السابقة التي فشلت في تحقيق التغيير الحقيقي.
أسباب فقدان الأمل في حكومة كامل إدريس
1. التراجع عن الالتزام بالكفاءات الشبابية والعلمية
إنّ إقصاء الكوادر الشابة، وعودة القيادات القديمة التي أرهقها الزمن، يعكس أزمة حقيقية في الرؤية الإدارية للحكومة، ويؤكد ضعف القدرة على التجديد.
2. الإبقاء على الولاءات الحزبية والجهوية رغم الوعود
رغم التأكيدات على تجاوز الجهوية والحزبية، فإن الواقع يشير إلى استمرار نفوذ القوى التقليدية في رسم ملامح الحكومة.
3. غياب خطوات ملموسة في الإصلاح والتنمية
لا تزال الأزمات الاقتصادية والخدمية تلقي بظلالها الثقيلة على المواطن، ما يزيد من الإحباط تجاه الحكومة التي لم تقدم حلولًا جذرية.
4. ضعف التواصل والشفافية مع المواطنين
غياب الحوارات المستمرة مع المجتمع المدني والجماهير يفقد الحكومة جزءًا كبيرًا من شرعيتها ويدفع الناس إلى التشكيك في نواياها.
أسباب جوهرية لفشل حكومة “الأمل”
يعود فشل حكومة كامل إدريس في الحفاظ على زخم الأمل الذي أُثير عند تعيينها إلى عوامل سياسية وإدارية عميقة تتجاوز مجرد التعيينات التقليدية. بداية، كانت الحكومة محاصرة بين التوقعات الشعبية العالية والقيود السياسية التي فرضتها تركيبة السلطة في السودان، حيث لا تزال المؤسسات الحقيقية للدولة تعاني من ضعف في الاستقلالية.
كما أن الحكومة وقعت في فخ التوازنات السياسية المعقدة التي فرضتها قوى الأمر الواقع، مما اضطرها إلى الاستجابة لضغوط لوبيات قديمة وكيانات سياسية وحزبية تتطلب تمثيلها، الأمر الذي أفقدها القدرة على الاختيار الحر للكفاءات الحقيقية. هذا جعل من تصريحات التجديد مجرد شعارات لا ترتقي إلى مستوى التطبيق.
إضافة إلى ذلك، يعاني السودان من أزمة مؤسساتية مزمنة حيث غابت ثقافة الأداء المؤسسي والحوكمة الرشيدة، وفرضت الولاءات الشخصية والجهوية والسياسية نفسها على حساب الكفاءة، مما أدى إلى استشراء الفساد والمحسوبية في مفاصل الدولة.
ومن الناحية الاقتصادية، لم تنجح الحكومة في خلق بيئة مستقرة تُشجع على الاستثمار والتنمية، في ظل استمرار الأزمات المالية والنقدية، وهذا جعل المواطن يشعر أن الحكومة غير قادرة على تحمل مسؤولياتها.
أخيرًا، فإن غياب رؤية واضحة للإصلاح السياسي والتواصل الحقيقي مع المجتمع المدني والشباب الذين يشكلون الغالبية الساحقة من سكان السودان، جعلها تبدو غير قادرة على قيادة التغيير المطلوب.
هذه الأسباب مجتمعة تشرح لماذا سرعان ما فقدت حكومة “الأمل” أمل الشعب، وهو درس سياسي هام لأي إدارة مستقبلية ترغب في استعادة الثقة والمضي قدماً في مسار التغيير.
غياب كامل إدريس عن الساحة السياسية: ماذا يعني؟
حين تم تعيين البروفيسور كامل إدريس رئيسًا لمجلس الوزراء، انتشرت في الأجواء نفحات أمل، وكأنّ السودان يستعد لولادة جديدة تضع حدًا لعقود من التكرار السياسي والجمود الإداري. لكنّ هذه الأماني سرعان ما تلاشت، وكأنّ الزمن عاد إلى الوراء، حيث غابت الخطوات الإصلاحية وتبددت الوعود أمام ضغوط المكونات السياسية القديمة وأرباب النفوذ الذين رفضوا التفريط في مصالحهم.
غياب كامل إدريس اليوم عن المشهد السياسي ليس مجرد اختفاء شخصي، بل هو مرآة تعكس هشاشة النظام الحاكم، واحتدام الصراعات التي تلتهم كل محاولة لتجديد النخب أو إعادة ترتيب الأوراق. إنه رمز لفشل مشروع التغيير الذي وعد به، وإشارة واضحة إلى أن قيادته تعرضت للتهميش أو الإقصاء تحت ضغط مصالح مستفيدة.
كما يكشف غيابه ضعفًا بنيويًا في آليات الحكم، حيث لا تملك الحكومة قيادة مركزية قوية قادرة على فرض رؤيتها أو تنفيذ برامجها. هذا الفراغ القيادي يعمّق حالة عدم اليقين، ويُرسل رسائل سلبية للمواطن الذي بات يشعر بأن الأزمات تتفاقم دون حلول واقعية.
في الواقع، الحكومة اليوم تقف على مفترق طرق صعب، بين إرادة التغيير التي ترفضها قوى محافظة متمسكة بالماضي، وبين شعب يئنّ تحت وطأة التدهور الاقتصادي والاجتماعي. ومع غياب صوت كامل إدريس، يُخشى أن يسود العجز السياسي ويزداد الفساد، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان وربما انفجار شعبي.
لا يمكن فهم هذه المرحلة دون إدراك أن السودان يمر بأزمة عميقة في مأسسة الدولة، حيث تتداخل الأدوار بين العسكري والسياسي، وتغيب الشفافية، ويهيمن المحسوبية على كل قرار. وهنا تكمن التحديات الحقيقية التي تحتاج إلى قيادة شجاعة، قادرة على كسر قيود الماضي وإعادة بناء الثقة.
ختامًا، غياب كامل إدريس هو تحذير صارخ لكل من يعتقد أن الأمل يمكن أن يُختزل في اسم أو شخص واحد. السودان بحاجة إلى مشروع وطني شامل، وإرادة حقيقية للتغيير، وقوى سياسية وشبابية تجمع الكلمة وتعيد بناء الوطن من رماده.
تداعيات فقدان الأمل
الأزمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها السودان لا تحتمل المزيد من التأجيل أو الفشل في قيادة التغيير.
فقدان الثقة في الحكومة قد يؤدي إلى:
زيادة الاحتقان الشعبي وتصاعد الاحتجاجات.
ضعف الأداء الحكومي بسبب غياب الدعم الشعبي.
تعزيز نفوذ الفوضى والمليشيات في المشهد السياسي.
إن تعيين البروفيسور كامل إدريس أثار آمالًا كبيرة في أوساط الشعب السوداني، لكن هذه الآمال بدأت تتلاشى أمام ممارسات الحكومة التي لم تختلف كثيرًا عن سابقتها.
وإذا كانت حكومة الأمل قد فقدت الأمل، فإن على قادتها أن يستعيدوا ثقة الشعب عبر:
التزام حقيقي بالتجديد والكفاءة.
شفافية في التعيينات والقرارات.
استجابة فعلية لمطالب المواطنين وإصلاح الأوضاع الاقتصادية.
السودان يحتاج إلى حكومة تُعيد إليه بريق الأمل، وليس نسخة مكررة من الماضي.
فهل تفي هذه الحكومة بتطلعات شعبها، أم يظل الأمل يذوب في بحر الوعود الكاذبة؟
الثلاثاء 18نوفمبر 2025
في بيتنا جاسوس الحلقة الرابعة: تطهير الحرس الثوري
في أعقاب الاغتيالات التي هزّت قلب طهران، لم يكن أمام القيادة الإيرانية سوى أن تبحث عن وسيل…





