خواطر ابن الفضل من الدعاية إلى التضليل… كيف تُستخدم الأكاذيب لفتح أبواب التدخل الخارجي؟ د. محمد فضل محمد

أعاد بيان تحالف صمود حول مزاعم استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي فتح باب الجدل، ليس بسبب خطورة الاتهام وحده، بل بسبب توقيته، وغياب أي دليل فني أو تقرير أممي يدعمه، وما يحمله من إشارات إلى استخدام ملف خطير في صراع سياسي داخلي.
ورغم أن السلاح الكيميائي يُعد من المحرمات الدولية التي تقوم عليها منظومة أمنية عالمية صارمة، إلا أن إطلاق الاتهامات دون بينة يفتح الباب أمام تدويل الأزمة السودانية، وهو ما يدفع ثمنه المواطن قبل أي طرف سياسي.
*أولًا: غياب الدليل وحضور التسييس*
حتى اللحظة، لم تصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ولا أي هيئة تابعة للأمم المتحدة تقريرًا واحدًا يشير إلى أن السودان يمتلك — فضلًا عن أن يستخدم — سلاحًا كيميائيًا.
والمعروف أن الجيش السوداني، بعد التدمير الواسع الذي طال منشآته، لا يملك البنية اللازمة لمثل هذا السلاح، ولا يمتلك الوسائل الوقائية التي يستخدمها أي جيش يتعامل مع مواد بالغة الخطورة.
ولهذا فإن ترويج مثل هذه المزاعم، التي تُعاد تدويرها عبر بيانات سياسية وإعلامية، يثير سؤالًا مشروعًا لماذا تتبنى بعض القوى خطابًا بلا أدلة، مع أنه يعرّض السودان كله لضغوط دولية قاسية؟
*ثانيًا: قحت وصمود طريق واحد نحو التدويل*
من المؤسف أن بعض مكونات قحت وتحالف صمود تعيد إنتاج نهج قديم عرفه السودانيون جيدًا:
اللجوء للخارج عند كل خلاف سياسي داخلي، وطرح الشكاوى أمام جهات أجنبية بدل السعي لحلول وطنية.
وليس ببعيد تصريح القيادي المعروف في قحت، جعفر حسن، حين قال علنًا إنهم “سيذهبون إلى السفارات لعرض قضيتهم”، وهو تصريح يكشف ذهنية ترى الخارج مرجعًا، وترى الداخل ساحة للصراع لا للحلول.
كما لا يمكن تجاهل اعتراف عمر قمر الدين — وزير خارجية حكومة حمدوك — حين قال صراحة إنهم كانوا جزءًا من حملة حصار السودان دوليًا في فترة الإنقاذ، دون أن يقدم أي اعتذار للشعب السوداني عن الأذى الاقتصادي والسياسي الذي لحق به.
*ثالثًا: قضية نيروبي حين يدفع السودان ثمنًا بلا جريمة*
ورغم أن القضاء الأمريكي برّأ السودان من تهمة تفجيرات نيروبي ودار السلام، فإن حكومة حمدوك دفعت مئات الملايين من الدولارات لتسوية الملف سياسيًا لا قانونيًا، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة:
لماذا تُدفع هذه الأموال في جريمة أُثبت قضائيًا عدم ضلوع الدولة فيها؟
إن ما حدث في تلك التسوية مثال واضح على كيف يؤدي الضغط الدولي — عندما يستجيب له بعض السياسيين — إلى خسارة السودان بلا مبرر.
*رابعًا: شهادات تكشف مصادر الدعم الخارجي*
وتتعزز صورة الارتباط بالخارج بما صدر عن بعض الشخصيات الإعلامية المعروفة. فقد أقرّت رشا عوض باستلام أموال من منظمات اجنبية ضمن نشاطات توافق القوى الديمقراطية وذلك في تصريحات متداولة حظيت باهتمام واسع.
وهذا التصريح، الصادر من شخصية إعلامية ذات حضور، يشير بوضوح إلى أن ملف التمويل الخارجي ليس مجرد اتهام سياسي، بل واقع له أثر فعلي على الخطاب والمواقف، خصوصًا عندما يتحول الدعم إلى أداة تُستخدم لإعادة تشكيل المزاج السياسي أو توجيه الرأي العام.
*خامسا: عندما فشلت فزاعة الارهاب جاءت فزاعة الكيميائي*
منذ اندلاع الحرب سعى تحالف صمود وبعض مكوّنات قحت للضغط على الولايات المتحدة لتصنيف “الكيزان” كمنظمة إرهابية، بهدف إحكام الخناق السياسي على السودان. ومع فشل هذا المسعى انتقل الخطاب سريعًا إلى الترويج لرواية السلاح الكيميائي المزعوم.
وهذا التحول المفاجئ يكشف أن القضية ليست أدلة ولا حقائق، بل أدوات ضغط سياسية تتغير حسب الحاجة، دون تقدير لعواقبها على السودان والمفارقة أن كل هذه الاتهامات تصدر رغم:
١. غياب أي تقرير أممي.
٢. غياب أي تحقيق فني.
٣. غياب آثار ميدانية تدعم الادعاء.
٤. غياب البنية العسكرية اللازمة لهذا السلاح.
فإذا كان الجيش يستخدم سلاحًا كيميائيًا — كما يزعمون — فكيف لم تظهر أعراضه على المدنيين والجنود على حد سواء؟
وكيف لم تُعلن أي جهة دولية ذلك، بينما هذه الملفات من أكثر الملفات حساسية ورقابة في العالم؟
*سادسًا: السودان بحاجة لمعارضة وطنية لا معارضة استدعاء الخارج*
ان المعارضة الوطنية شرف ومسؤولية، وليست طريقًا لطلب التدخل الأجنبي أو تعريض البلاد لعقوبات جديدة. والمواطن السوداني يدرك اليوم أن خطابات التخويف، واللجوء للسفارات، والتلاعب بملفات خطيرة، لا تُسقط حكومة ولا تبني وطنًا.
إن مستقبل السودان يُصنع داخل السودان، عبر:
١. التوافق السياسي،
٢. احترام الإرادة الشعبية،
٣. والانتقال السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات لا عبر البندقية ولا عبر بريد السفارات الأجنبية.
إن السودان أكبر من صراعات الأحزاب وإن استخدام ملفات حساسة مثل الكيميائي، أو الإرهاب، أو الحصار الدولي لأهداف سياسية ضيقة هو لعب بالنار في لحظة يحتاج فيها السودان إلى حماية سيادته واستقراره لا إلى مزيد من الشقاق.
والمطلوب اليوم خطاب مسؤول يرتفع فوق الحزبية، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار
مطالبات لمدير المخابرات لتطهير النيابة وتعزيز العدالة دعوات إعلامية لاتخاذ خطوات حاسمة وسط اتهامات بوجود تجاوزات رئيس جمعية صحفيون ضد الجريمة :اي شبهة فساد داخل النيابة ينعكس سلبا” على المنظومة العدلية
تتزايد الدعوات في الأوساط الرسمية والإعلامية بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لإصلاح أجهزة العدالة…





