د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب “القوي الأمين” وأثره في بناء الدولة السودانية الحديثة

يعيش السودان اليوم مرحلة دقيقة تتطلب إعادة بناء مؤسسات الحكم على أسس مهنية واضحة، خاصة بعد سنوات من الصراع السياسي والمحصاصات الحزبية التي قوّضت الأداء الإداري وأضعفت الدولة. ولأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من حُسن اختيار القيادات المدنية—وزراء كانوا أو مدراء أو رؤساء هيئات—فإنه لا بد من العودة إلى أصلٍ شرعيٍ راسخ، وتجربةٍ واقعية أثبتت نجاحها: معيار “القوي الأمين”.
هذا المبدأ القرآني العظيم يُشكّل حجر الزاوية في بناء الإدارة الرشيدة، ويعتبر قاعدةً موضوعية لاختيار من يتحمل مسؤوليات الشأن العام، بعيدًا عن الحزبية والولاءات الضيقة.
—
أولًا: الأساس الشرعي لمعايير الاختيار
1. معيار القوة والأمانة
قال تعالى في محكم التنزيل:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26)
وقد أجمع المفسّرون على أن القوة تعني الكفاءة والقدرة والخبرة اللازمة لأداء المهمة.
الأمانة تعني النزاهة والإخلاص وعدم استغلال السلطة.
بهذا يُصبح اختيار المسؤول وفق خبرته وقدرته لا وفق انتمائه السياسي أو العائلي.
—
2. تحريم تولية غير الأكفأ
قال رسول الله ﷺ:
“من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئًا فولّى رجلًا وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.”
(رواه الحاكم)
وهذا نصٌّ واضح يجعل التعيين بالمحسوبية خيانةً للأمانة، ويُلزم الحكّام باختيار الأكفأ دائمًا.
—
3. تقديم الكفاءة على الانتماء
اختار النبي ﷺ في الهجرة عبدالله بن أريقط—وهو غير مسلم—لمجرد أنه الأكفأ في معرفة الطريق.
وهذه رسالة فقهية عظيمة تؤكد أن: الخبرة مقدّمة على الانتماء والهوية عند بناء دولة قوية.
—
4. مبدأ المراجعة والمحاسبة
كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعزل الولاة إذا قصّروا، ويحاسبهم على الأداء لا على النسب أو الولاء.
وكان يقول:
“إنما بعثت عمالًا لا جباةً.”
وهذا أصل في تقييم المسؤولين دوريًا.
—
ثانيًا: الأساس الواقعي والعلمي في اختيار القيادات
إن التجارب الدولية الناجحة في الحكم—مثل سنغافورة ورواندا وكوريا الجنوبية—تُثبت أن نهضة الدول لا تتم إلا عبر نظام الجدارة المهنية (Meritocracy)، القائم على:
التعيين وفق معايير الكفاءة
لجان مستقلة
الشفافية
وتقييم الأداء المستمر
كما ثبت عالميًا أن المحاصصة السياسية تُنتج:
تضخمًا إداريًا
فسادًا واسعًا
ضعفًا في الأداء والخدمات
وفقدان الثقة الشعبية
وكلها مشكلات عانى منها السودان لعقود.
—
ثالثًا: معايير وآليات اختيار القيادات المدنية
1. وضع معايير واضحة للكفاءة والخبرة
ينبغي تحديد شروط فنية لكل منصب، تشمل:
المؤهلات الأكاديمية
سنوات الخبرة
السجل المهني
مهارات القيادة والإدارة
القدرة على اتخاذ القرار
وتُستبعد معايير الولاء الحزبي تمامًا.
—
2. الشفافية في عمليات الاختيار
وذلك عبر:
إعلان الوظائف القيادية
نشر معايير الترشيح
نشر السير الذاتية للمرشحين المختارين
توضيح أسباب الاختيار
فالشفافية تقلل الفساد وتزيد ثقة الشعب.
—
3. إنشاء لجنة وطنية مستقلة للتعيينات
تضم:
خبراء
شخصيات وطنية
ممثلين عن المجتمع المدني
أعضاء من المجلس التشريعي
وتعمل على تقييم المرشحين ورفع قائمة مختصرة للجهات التنفيذية.
—
4. الاستفادة من الكفاءات الوطنية داخل السودان وخارجه
وذلك من خلال:
الأكاديميين
المختصين
المهنيين
السودانيين في الخارج
فكثير من أفضل الكفاءات غير محسوب على أي حزب سياسي.
—
5. وضع نظام لتقييم الأداء (KPIs)
يتضمن:
تقييمًا ربع سنوي
تقارير معلنة
إمكانية العزل الفوري
مراجعة الخطط والإنجازات
لكي لا يبقى منصب عام رهينة المجاملات.
—
6. حظر تضارب المصالح
بمنع:
الجمع بين المنصب والوظائف الحزبية
التعيينات العائلية
المصالح التجارية أثناء الخدمة
حتى يبقى القرار وطنيًا خالصًا لا مصلحيًا.
—
7. فتح مسارات للشكاوى والمراقبة الشعبية
بإنشاء:
بوابة إلكترونية
لجان مراجعة
جلسات استماع دورية
من أجل تعزيز الرقابة العامة.
—
خاتمة: الطريق إلى دولة قوية وأداء حكومي حديث
إن بناء دولة سودانية حديثة يبدأ من تعيين القوي الأمين، استنادًا إلى الوحي والعقل معًا. فلا الشرع يقبل بالمحاصصة، ولا الواقع يرحم الدول التي تُغرق مؤسساتها في الولاءات الضيقة.
إن مستقبل السودان المستقر والمنتج والناهض لن يتحقق إلا عبر:
المهنية
النزاهة
الكفاءة
والمحاسبة
ومن هنا فإن اعتماد معايير وطنية محايدة في اختيار الوزراء والمديرين هو المدخل الحقيقي لبناء مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطن.
والله ولي التوفيق.
ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع
في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…





