‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل عندما يتحول التخوين إلى سياسة الثورة التي تُدار بالذاكرة الانتقائية د. محمد فضل محمد
مقالات - ديسمبر 22, 2025

خواطر ابن الفضل عندما يتحول التخوين إلى سياسة الثورة التي تُدار بالذاكرة الانتقائية د. محمد فضل محمد

درج بعض الناشطين السياسيين في الآونة الأخيرة على الكيل للمسؤولين في الدولة بالتخوين الجاهز، ورميهم بتهم الإرهاب زورًا وبهتانًا، في مشهد لا يعكس غضبًا ثوريًا بقدر ما يكشف أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، وارتباكًا في ترتيب المسؤوليات، حيث تُوزّع التهم بعد انهيار التحالفات، لا عند وقوع الجرائم.

 

والأكثر مفارقة أن هذا الخطاب يصدر عمّن كانوا حتى وقت قريب حلفاء، يمنحون الغطاء السياسي، ويتقاسمون السلطة مع العسكر، دون أن نسمع منهم آنذاك صوت لوم، ولا مطالبة بمحاسبة، ولا فتحًا جادًا لملفات الدماء التي سالت في ميدان الجيش وغيره. صمتٌ ثقيل في لحظة الحقيقة، ثم صراخٌ متأخر بلغة التخوين بعد انفجار الكارثة.

الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس، وشرّدت العباد، لم تكن وليدة لحظة، ولا نتاج مقال أو تغريدة، بل كانت حصيلة مرحلة سياسية مختلة اختُزل فيها مصير الدولة في معادلة ابتزاز خطيرة رددها بعض الساسة صراحة أو مواربة إما القبول بالاتفاق الإطاري أو الحرب.

 

ولم تكن تلك العبارة توصيفًا عابرًا، بل عنوانًا صريحًا لما قبل الحرب؛ حيث جرى السكوت المتعمّد على تحركات الشريك المسلح، والتغاضي عن إعادة انتشاره، وتجاهل مؤشرات التخطيط للانقلاب وفرض الأمر الواقع، وصولًا إلى محاولة احتلال مروي بوصفها خطوة انقلابية مكتملة الدلالة.

 

وفي خضم ذلك، لم نسمع من حلفائه السياسيين تحذيرًا جادًا، ولا إدانة واضحة، بل جرى التعامل مع التهديد وكأنه أداة ضغط سياسية مشروعة، لا خطرًا وجوديًا يهدد الدولة. وهكذا انتقل المشهد من الشراكة إلى السلاح، ومن السياسة إلى الحرب، ثم عاد ذات الخطاب اليوم ليتحدث بلغة التخوين، وكأن الذاكرة الوطنية بلا شهود.

 

إن استخدام مفردات مثل «إرهابي» و*«سافك دماء»* خارج إطار القضاء، وبدون أحكام أو بيّنات، لا يصنع موقفًا ثوريًا ولا يعبّر عن التزام أخلاقي، بل يكرّس التخوين كسلاح سياسي، يُستعمل حين تفشل المشاريع وتنهار الروايات السياسية.

 

وأما الحديث عن “ثورة في القلوب”، فلا يمنح أحدًا صك براءة، ولا يخول له توزيع صكوك الاتهام. الثورة ليست شعارًا يُرفع ضد الدولة، ولا لافتة لتبرير الفوضى، ولا أداة لمحو الشراكات السابقة من الذاكرة. الثورة فعل أخلاقي قبل أن تكون هتافًا، ومسؤولية وطنية قبل أن تكون خطابًا.

 

والثورة الحقيقية لا تُدار بالذاكرة الانتقائية، ولا تُبنى على الشتائم، ولا تختزل الوطن في شارع أو منصة. إنها عدالة واحدة لا تتجزأ، وموقف واحد لا يتلوّن، ومعيار واحد لا يُقاس بحسب الخصومة وما دون ذلك، ليس ثورة بل إعادة إنتاج للأزمة بأدوات لغوية جديدة

‫شاهد أيضًا‬

حمقى ولصوص لجنة التفكيك (٤—٧)٠٠ البلاغ الثالث : نهب المجرم وجدي صالح لشركات قطاع الدواجن..

ضمن مقالاتنا المتتالية توثيقًا لجرائم لجنة التفكيك الفاسدة كنا قد بدأنا بمقالين سابقين عن …