مضمار_الحقائق محفزات استقرار الأستاذ الجامعي بقلم: موسى آدم عثمان الفولاني

يمثل استقرار الأستاذ الجامعي أحد أهم ركائز جودة التعليم العالي، إذ يُعد العامل البشري المحرك الحقيقي لبيئة جامعية قادرة على الإنتاج والابتكار. لقد تزايد في الآونة الأخيرة الاهتمام بقضية استبقاء الأساتذة نتيجة للهجرة المتصاعدة التي أثرت في القدرات العلمية والبحثية للمؤسسات الأكاديمية. لقد صدرت مجموعة من القرارات بشأن الأساتذة الجامعيين لكن لم تجد حظها من العناية والإلتزام بتنفيذها من قبل هرم الدولة. وظل الأستاذ الجامعي يكابد ويعاني من ويلات التضخم الاقتصادي والانهيار المريع للعملية المحلية وابتلع هذا التضخم راتبه كأن لم يكن سيئاً. سيناقش هذا المضمار مخفزات استقرار الأستاذ الجامعي بالسودان، ومدى التزام متخذي القرار بمشروع جودة التعليم العالي، والقرارات التنفيذية الصادرة بصدد بتحسين وضع الأستاذ الجامعي إضافة إلى طرح حلول عملية تدعم بقاء الكفاءات داخل الجامعات.
يشمل الاستقرار الأكاديمي مجموعة من الأبعاد المداخلة وهي: الاستقرار الوظيفي، المالي، الاجتماعي، البحثي، والبيئي. ولا يمكن تحقيق جودة التعليم العالي دون توفير بيئة جاذبة للأستاذ الجامعي، تُمكّنه من الإنتاج العلمي والتدريس الفعال. ويُقصد بالاستبقاء توفير الحوافز والظروف المهنية التي تشجع الأستاذ على البقاء في مؤسسته دون البحث عن فرص بديلة خارج البلاد أو خارج الإطار الوظيفي فالاستاذ الجامعي له ثلاث وظائف (التدريس، البحث العلمي وخدمة المجتمع)، وإذا فكر في البحث عن مداخل أخرى لتحسين وضعه اختلت هذه الوظائف بالكاد يستطيع أن يقوم بواحدة دون الأخريات ومع ذلك لا يقوم بالدور المطلوب أثناء التدريس وهو يفكر في معاشه وتدبير حياته.
الكثير من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات السودانية ينادون ويحلمون بتحسين الراتب ليكون مجزياً مع تقلبات الأوضاع الإقتصادية وعدم الاستقرار السياسي والأمني للبلاد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل تحسين الراتب هو الحل؟ هل استفاد الأستاذ الجامعي من زيادات المرتبات قبل ثلاث سنوات؟ ماذا فعل بها السوق؟ هل استقرت قيمة الراتب الذي انفخص من 250 دولار إلى 100دولار. لنعيد النظر في البحث عن حلول ناجعة لاستبقاء الأستاذ الجامعي، ولدي ثلاث أعمدة لا رابع لها يقوم عليها استقرار الأستاذ الجامعي ويجب علي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ولجنة أساتذة الجامعات السودانية أن تركز عليها وهي الحلول السريعة والضامنة لاستقرار الجامعات والمحافظة جودة التعليم والبحث العلمي، وتتمثل هذه الأعمدة في: توفير السكن المناسب، التعليم المجاني لأبناء أعضاء هيئة التدريس في كل المراحل التعليمية والخدمات الصحية العلاجية المجانية. تعتبر هذه هي ركائز استقرار الأستاذ الجامعي الذي لا يطالب بالرفاهية أو التنعم بما لذ وطاب، فيجب تطبيق هذا المثلث حتى يستطيع التعايش مع عدم الإستقرار الإقتصادي.
عموما تعاني الجامعات السودانية من مجموعة التحديات المزمنة التي أصبحت عائق لتحقيق جودة التعليم العالي بالسودان أبرزها: *أولاً* ضعف الرواتب مقارنة بتكلفة المعيشة. *ثانياً:* محدودية ميزانيات البحث العلمي. *ثالثاً:* بيئة العمل غير الملائمة (غياب المعامل، ضعف التقنيات، تردي البنية التحتية). *رابعاً:* ضعف المسارات الوظيفية الواضحة. *خامساً:* الأعباء التدريسية والإدارية الزائدة. *سادساً:* ضعف نظم الحوافز والتقدير.
لقد أدت تلك التحديات المزمنة إلى معدلات غير مسبوقة للهجرة الأكاديمية، ما انعكس سلباً على نوعية البرامج التعليمية، والإشراف البحثي، وتراكم الخبرات داخل الجامعات.
بالرغم من تبني الحكومة السودانية سياسة إصلاح التعليم العالي، إلا أن التنفيذ ظل محدوداً. صدرت قوانين وتشريعات تدعم الجودة، لكنها تفتقر إلى آليات ملزمة لتطبيق معايير الاستقرار الأكاديمي.
كما لا تزال ميزانية التعليم العالي دون النسبة العالمية الموصى بها، ما يضعف القدرة على تنفيذ برامج الاستبقاء. لذلك ينبغى بذل جهود حثيثة لتبنى عدد من مقومات استقرار الأستاذ الجامعي، وتشمل هذه المقومات: *المقوم المالي:* ربط الرواتب بسعر الصرف، توفير علاوات مجزية، تبني نظام حوافز بحثية. *المقوم المهني:* تحسين بيئة التدريس، تخفيض العبء التدريسي، دعم التطوير المهني، توفير فرص التبادل الأكاديمي. *المقوم البحثي:* توفير التمويل البحثي، تطوير المعامل والمكتبات، تيسير النشر العلمي.
*المقوم الاجتماعي:* التأمين الصحي، السكن الجامعي، تهيئة بيئة اجتماعية مستقرة. *المقوم الإداري:* تعزيز استقلالية الجامعات، اعتماد مسارات وظيفية عادلة وشفافة.
إذاً ما هي الحلول العملية لاستبقاء الأساتذة وتحقيق جودة التعليم العالي والبحث العلمي؟ لعل الحلول الكفيلة بإحداث نقلة نوعية للتعليم العالي ومؤسساته كثيرة وناجعة إذا صاحب ذلك الإلتزام والدافعية من متخذي القرار، ونجمل تلك الحلول في: *أولاً:* إنشاء صندوق وطني لاستقرار أعضاء هيئة التدريس. *ثانيا:* تنفيذ القرارات الصادرة بإستثناء أعضاء هيئة التدريس من هيكل الأجور الموحدة وإجازة لائحة خدمة أعضاء هيئة التدريس والقرارات الصادرة بموجبهما. *ثالثاً:* إقامة شراكات دولية لدعم التطوير الأكاديمي. *رابعاً:* تحسين بيئة العمل وتحديث البنية التحتية الجامعية.
ختاماً، إن استقرار مؤسسات التعليم العالي في السودان يمثل ضرورة وجودية لضمان جودة التعليم العالي، ويتطلب معالجة جذرية تبدأ بإرادة سياسية قوية، وتمويل مستدام، ورؤية مؤسسية واضحة. وبدون استبقاء الكفاءات، فإن مستقبل البحث العلمي والتعليم الجامعي سيظل مهدداً.
تحياتي وتقديري
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك
ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع
في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…





