د. أبوعبيدة محمدالسيدالكودابي يكتب رسالة في الاصلاح

(الإصلاح، إصلاح ذات البين، صلة الرحم، وفضّ النزاعات والخصومات)
الإصلاح في الإسلام: خلق عظيم وسبيل لسلامة المجتمع
الإصلاح من أعظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وهو مقصد شرعي جليل قامت عليه السماوات والأرض، وبعث الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله أساس صلاح الفرد والمجتمع. وضد الإصلاح الإفساد، الذي يفضي إلى تفكك العلاقات، وضياع الحقوق، وانتشار العداوة والبغضاء.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
(الأعراف: 56)
أولًا: الإصلاح في القرآن الكريم
جاء ذكر الإصلاح في مواضع كثيرة من كتاب الله، مما يدل على علو منزلته وشرف مقصده، قال تعالى:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾
(النساء: 114)
وقال سبحانه:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
(الأنفال: 1)
وقال عز وجل:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
(النساء: 128)
ثانيًا: الإصلاح في السنة النبوية
حثّ النبي ﷺ على الإصلاح وإزالة المنكر بحسب الاستطاعة، فقال:
«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»
رواه مسلم (49).
وقال ﷺ في بيان فضل الإصلاح:
«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة»
رواه أبو داود (4919) والترمذي (2509) وصححه الألباني.
ثالثًا: إصلاح ذات البين أساس وحدة المجتمع
إصلاح العلاقات بين الناس من أعظم القربات، وقد أمر الله به حتى في حال النزاع والاقتتال، قال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
إلى قوله:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
(الحجرات: 9)
وقال النبي ﷺ:
«تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيُغفر لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا»
رواه مسلم (2565).
رابعًا: فضُّ النزاعات والخصومات منهج شرعي
شرع الإسلام وسائل عملية لفض النزاعات وإنهاء الخصومات؛ حفظًا للحقوق ومنعًا للإفساد، ومن ذلك الصلح والتحكيم والعدل.
قال تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
(النساء: 35)
وقال النبي ﷺ:
«الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا»
رواه أبو داود (3594) والترمذي (1352) وصححه الألباني.
كما حذّر ﷺ من الخصومة بالباطل، فقال:
«أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»
رواه البخاري (2457) ومسلم (2668).
خامسًا: من الإفساد التدابر وقطيعة الرحم
من أخطر صور الإفساد في الأرض التدابر وقطيعة الرحم، لما فيهما من هدم أواصر المجتمع، قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾
(محمد: 22)
وقال النبي ﷺ:
«لا يدخل الجنة قاطع رحم»
رواه البخاري (5984) ومسلم (2556).
وقال ﷺ:
«لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا»
رواه البخاري (6065) ومسلم (2559).
سادسًا: أقوال السلف في الإصلاح:
قال ابن القيم رحمه الله:
«صلاح العبد في صلاح قلبه، وفساده في فساد قلبه»
(إغاثة اللهفان).
سابعًا: ثمرات الإصلاح والعفو
قال تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
(آل عمران: 134)
وقال النبي ﷺ:
«من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء»
رواه أبو داود (4777) والترمذي (2021) وحسنه الألباني.
الخاتمة والدروس المستفادة:
الإصلاح مقصد عظيم من مقاصد الشريعة.
إصلاح ذات البين وفض النزاعات من أعظم القربات.
الصلح مقدَّم على الخصومة ما لم يُخالف الشرع.
قطيعة الرحم والتدابر من كبائر الذنوب.
صلاح القلوب أساس صلاح المجتمعات.
نسأل الله أن يجعلنا من المصلحين، وأن يؤلف بين قلوبنا، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
كيف تحولت حدود السودان إلى منصات دعم للمليشيا؟
تصعيد إقليمي يهدد السيادة الوطنية كاتب صحفي:إثيوبيا تدعم المليشيا مباشرة وحق الجوار السودا…





