د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب الجار نعمة عظيمة ودوره في أوقات الأزمات والحروب

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الامين وعلي اله وصحبه اجمعين. أما بعد:
يُعدّ الجار من أعظم النعم التي امتنّ الله بها على عباده، إذ تقوم المجتمعات السليمة على حسن الجوار، والتراحم، والتكافل. وقد أولى الإسلام عنايةً بالغة بالجار، فجعل له حقوقًا عظيمة، وأكد على الإحسان إليه، ولا سيما في أوقات الشدة والأزمات والحروب، حيث تشتد الحاجة إلى التراحم والتعاون.
أولًا: أهمية الجار في الإسلام
1. حق الجار ومكانته الشرعية
جعل الإسلام للجار حقًا ثابتًا، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، قريبًا أو بعيدًا. قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾
(سورة النساء: 36)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: جمع الله في هذه الآية بين أنواع الإحسان كلها، ومن أعظمها الإحسان إلى الجار.
كما قال النبي ﷺ:
«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورثه»
(رواه البخاري 6014، ومسلم 2625)
2. التكافل الاجتماعي
حسن الجوار يحقق التكافل الاجتماعي، ويقوّي الروابط بين أفراد المجتمع، ويمنع التفكك والانهيار وقت الأزمات. وقد قال النبي ﷺ:
«ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه»
(رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 149)
3. الدعم النفسي والمعنوي
الإحسان إلى الجار لا يقتصر على المال، بل يشمل الكلمة الطيبة والمواساة، وهي من أعظم أبواب الخير، خاصة في أوقات الخوف والقلق.
ثانيًا: دور الجار في وقت الأزمات والحروب
في أوقات الحروب والكوارث، يكون الجار هو الأقرب عونًا وسندًا، وقد يظهر معدن الناس الحقيقي في مثل هذه الظروف.
1. تقديم المساعدة المادية والمعنوية
من صور الإحسان: إطعام الجائع، وإيواء المتضرر، وتقاسم الموارد القليلة. قال النبي ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»
(رواه البخاري 6136، ومسلم 47)
2. حماية الجيران والدفاع عنهم
في أوقات الفوضى، قد يكون الجار سببًا في حفظ الأرواح والممتلكات، وهو من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
(سورة المائدة: 2)
3. نشر الطمأنينة والاستقرار
الكلمة الصادقة، والموقف النبيل، والوقوف مع الجار وقت الخوف؛ كلها أسباب في نشر الطمأنينة وتخفيف آثار الصدمات النفسية.
ثالثًا: نماذج من الإحسان إلى الجار
1. زيارة الجار المريض
زيارة المريض من حقوق المسلم على المسلم، وهي للجار آكد. قال النبي ﷺ:
«حق المسلم على المسلم خمس… وذكر منها: عيادة المريض»
(رواه البخاري 1240، ومسلم 2162)
2. تقديم المساعدة للجار المحتاج
قال ﷺ:
«يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك»
(رواه مسلم 2625)
3. كفّ الأذى وحسن المعاملة
قال النبي ﷺ:
«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه»
(رواه البخاري 6016، ومسلم 46)
رابعًا: أمثلة من الواقع المعاصر
في مناطق النزاعات والحروب: نرى جيرانًا يتقاسمون الطعام والماء، ويؤوون بعضهم بعضًا عند القصف والنزوح، ويقفون صفًا واحدًا لحماية الأطفال والنساء.
أثناء الكوارث الطبيعية: كزلزال أو فيضان، يكون الجار أول من يهبّ للإنقاذ، ويقدّم المأوى والمؤونة قبل وصول الجهات الرسمية.
في الأزمات الاقتصادية: يتكفّل بعض الجيران بسداد إيجار جارهم المتعثر، أو توفير الطعام دون إحراجه، امتثالًا لقيم الإسلام.
خاتمة
إن الجار نعمة عظيمة ومسؤولية شرعية، والإحسان إليه عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، وتتأكد هذه العبادة في أوقات الأزمات والحروب. وبحسن الجوار يتحقق التكافل الاجتماعي، وتُخفف المعاناة، وتُبنى المجتمعات على الرحمة والتراحم، مصداقًا لقوله ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد»
(رواه مسلم 2586)
نسأل الله أن يجعلنا من المحسنين إلى جيراننا، القائمين بحقوقهم، في السراء والضراء. 🤲
المهن الطبية والصحية: العودة إلى الخرطوم لا تطوي صفحة البحر الأحمر
أكد المدير التنفيذي للمجلس القومي السوداني للمهن الطبية والصحية، د. محمد حمد محمد أحمد، أن…





