د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب بناء السلم المجتمعي وتعزيز السلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يُعدّ بناء السلم المجتمعي وتعزيز السلام من أهم مرتكزات التنمية المستدامة في المجتمعات المعاصرة، إذ لا يمكن تحقيق تقدم أو استقرار دون سلام راسخ وعدالة شاملة. وقد جاء الإسلام بمنهج متكامل يدعو إلى السلم والأمان، ويؤسس لقيم التعايش والتسامح والعدل بين الناس، قال تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً” (البقرة: 208).
مفهوم السلم المجتمعي، وأهميته، وسبل تحقيقه، ودور الأفراد والمؤسسات في ترسيخه، مستندين إلى النصوص الشرعية، والمراجع الفكرية والاجتماعية الحديثة.
أولًا: مفهوم السلم المجتمعي وتعزيز السلام
1. مفهوم السلم المجتمعي
السلم المجتمعي هو حالة من التوازن الاجتماعي والأمن النفسي تسود بين أفراد المجتمع، قائمة على مبادئ العدل، والمساواة، والاحترام المتبادل، ونبذ العنف. وهو لا يقتصر على غياب الصراعات فقط، بل يشمل بناء منظومة قيمية تحافظ على الانسجام الاجتماعي.
2. مفهوم تعزيز السلام
تعزيز السلام هو عملية مستمرة تهدف إلى معالجة جذور النزاعات، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وبناء المؤسسات القادرة على إدارة الخلافات بطرق سلمية. ويميز الباحثون بين:
السلام السلبي: غياب النزاع أو الحرب فقط.
السلام الإيجابي: وجود عدالة اجتماعية، ومؤسسات فاعلة، ومشاركة متوازنة في صنع القرار (غالتونغ، 1969).
ثانيًا: أهمية بناء السلم المجتمعي وتعزيز السلام
1. تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي
السلام يوفّر البيئة اللازمة للعيش الآمن، ويُسهم في استقرار الأنظمة وبناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.
قال تعالى:
“الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأنعام: 82).
2. تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية
فالأمن شرط أساسي للاستثمار والنمو الاقتصادي، حيث لا يمكن أن تزدهر التجارة والإنتاج في بيئة يسودها الاضطراب.
وقال النبي ﷺ:
“من أصبح آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا” (رواه الترمذي، حديث رقم 2346).
3. توطيد العلاقات الإنسانية والاجتماعية
السلام يعزز الثقة المتبادلة والتعاون بين فئات المجتمع المختلفة، ويُرسخ مفهوم “التنوع في إطار الوحدة”.
قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى…” (الحجرات: 13).
ثالثًا: سبل بناء السلم المجتمعي وتعزيز السلام
1. تعزيز الحوار والتفاهم
الحوار هو الوسيلة الأنجع لحل النزاعات.
قال تعالى:
“وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا…” (الأنفال: 61).
وينبغي تبنّي آليات الحوار المجتمعي في القضايا الوطنية والقبلية والعرقية.
2. نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر
التسامح قيمة مركزية في الإسلام؛ قال النبي ﷺ:
“المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه” (صحيح البخاري، حديث رقم 2442).
ويتحقق ذلك عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية وخطب المساجد.
3. دعم العدالة والمساواة
لا يمكن أن يتحقق السلم دون عدل. فالظلم يولد التوتر والصراع. قال تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ…” (النحل: 90).
4. التعليم والتوعية
المدارس والجامعات هي محاضن السلم المجتمعي، من خلال إدراج مفاهيم المواطنة، وحقوق الإنسان، والتنوع الثقافي في المناهج التعليمية.
5. المصالحة الوطنية
تُعدّ المصالحة من أهم آليات بناء السلم، إذ تعمل على رأب الصدع الاجتماعي وإزالة آثار النزاعات السابقة. ومن التجارب الناجحة في هذا المجال تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا.
رابعًا: دور الأفراد في بناء السلم المجتمعي
1. التحلي بالتسامح والعفو قال تعالى:
٢. “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…” (فصلت: 34).
على الفرد أن يكون نموذجًا للتسامح والإيجابية في محيطه الاجتماعي.
2. نشر ثقافة الحوار والسلام من خلال المشاركة في حملات التوعية، والمنصات الإعلامية، والمبادرات التطوعية.
3. المشاركة الفاعلة في العمل المجتمعي العمل التطوعي يعزز روح الانتماء والوحدة، ويقلل من فرص النزاعات.
خامسًا: دور المجتمع المدني والمؤسسات
1. المنظمات غير الحكومية (NGOs):
تشارك في فضّ النزاعات، وتنفيذ برامج توعوية حول التسامح والسلام.
2. المؤسسات التعليمية:
تلعب دورًا في بناء الوعي لدى الأجيال الناشئة بأهمية السلم والاختلاف الإيجابي.
3. الإعلام:
وسيلة فعّالة في ترسيخ خطاب السلام ونبذ العنف والكراهية.
4. الزعامات الدينية والاجتماعية:
لها تأثير كبير في التوجيه ونشر خطاب الوحدة ونبذ العصبية.
سادسًا: نماذج وتجارب عالمية في بناء السلام
تجربة ماليزيا: حيث قامت الحكومة بتعزيز مفهوم “الوحدة في التنوع” من خلال سياسات تعليمية واقتصادية عادلة.
تجربة رواندا: بعد الإبادة الجماعية، أُنشئت محاكم “الغاتشاكا” الشعبية لتحقيق العدالة والمصالحة.
تجربة الإمارات العربية المتحدة: تأسيس وزارة للتسامح، وإطلاق مبادرات مثل “عام التسامح”.
الخاتمة:
إن بناء السلم المجتمعي وتعزيز السلام مسؤولية جماعية يشترك فيها الفرد والأسرة والمؤسسات والدولة. وهو عملية مستمرة تتطلب وعيًا، وعدلاً، ومشاركة مجتمعية فعّالة. فبدون السلام، لا استقرار ولا تنمية ولا حضارة.
نسأل الله أن يجعل مجتمعاتنا وبلادنا آمنة مطمئنة، وأن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير والسلم.
المهن الطبية والصحية: العودة إلى الخرطوم لا تطوي صفحة البحر الأحمر
أكد المدير التنفيذي للمجلس القومي السوداني للمهن الطبية والصحية، د. محمد حمد محمد أحمد، أن…





