‫الرئيسية‬ مقالات مضمار_الحقائق اتفاقية سايكس–بيكو وتمزيق وصال الأمة الإسلامية والعربية د. موسى آدم عثمان الفولاني
مقالات - يناير 15, 2026

مضمار_الحقائق اتفاقية سايكس–بيكو وتمزيق وصال الأمة الإسلامية والعربية د. موسى آدم عثمان الفولاني

إن وحدة المسلمين منذ صدر المسلمين هي الغاية العليا والسمة الغالبة، فالمجتمع المسلم في ذلك العصر مجتمع مترابط ومتلاحم يشد بعضه بعضا ويساند بعضه بعضا َولا يغفل أحد عن أحد، عضو في جسد واحد “(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ثم شبك بين أصابعه)” و “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. تعاليم الدين الحنيف كلها تحض على الاعتصام والترابط وهو الخير وكل الشر في تشتت الأمة وتمزقها واختلافها وانقسامها إلى أمم وجماعات ودويلات وقوميات وحزبيات ذوبت أواصر الأخوة الإسلاميَّة والوحدة الجامعة للمسلمين بمختلف قبائلهم وأوطانهم، لقد طغت هذه التشرذمات حتى نسيت الأمة الإسلامية أمر ربها “إنما المؤمنون إخوة فأصلحلوا بين أخويكم”. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)”

نسيت الأمة نجدة المرأة المسلمة في سوق بني قينقاع “وآ مسلما”، نجدة المعتصم بالله للمراة ونجدة صلاح الدين الأيوبي للأقصى، نسيت إثرها وتأريخها وارتمت في أحضان الغرب بهم تثغيث ولهم تركع وتسجد.

نظام الحكم والإدارة في صدر الإسلام (العهد النبوي والخلافة الراشدة) قام على أسس دينية أخلاقية كالعدل والتقوى، مع مركزية السلطة بيد النبي ثم الخليفة عبر نظام البيعة، وتطور تدريجيًا بإنشاء دواوين (بيت المال، الجند)، وتوزيع المهام (ولاة، عمال)، واستخدام المسجد كمركز للحكم، وكان مرنًا ويراعي التقاليد المحلية مع الاستفادة من خبرات الأمم الأخرى، مع التأكيد على مبدأ الشورى وتطبيق الشريعة. كل المسلمون كانوا يجتمعون على أمير واحد يتولى شؤونهم ويسوسهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. واستمر أمر الخلافة حتى انهيار آخر خلافة للمسلمين بما تسمى بالخلافة العثمانية التي انهارت على يد بريطانيا وفرنسا ودول أخر نجحت في تفكيك الدولة الإسلامية وانفرط العقد وحلت الفوضى وتم تقسيم الدولة التي لا تحدها حدود ولا تفرقها قوميات ولا حزبيات إلى دويلات شتى وفقاً لمؤامرة مدروسة بعناية إتفاقية طاغوتية مزقت الدولة الإسلامية إلى أشلاء ودويلات لا تعرف التعاليم السماوية ولا تدين ولا تنقاد إلا بالقوانين الوضعية الكفرية التي سنت القوميات والحزبيات فأصبح كل قوم بما لديهم فرحون، كل دولة لا تعرف أختها عند الشدائد ولا تسمح لها الاتفاقيات الكفرية أن تقف إلى جانبها أو تدعمها أو تفزع لنجدتها فقط بسبب ما حده المستعمر الكافر من حدود زعمت فيها أن السودان للسودانيين، مصر للمصريين، العراق للعراقيين، سوريا للسوريين، فلا أحد يحمل هم أحد لا أحد يستنصر بأحد أو لأحد باسم الحدود الجغرافية. باسم الحدود الجغرافية يحق لإسرائيل سحق الفلسطينيين ولا أحد يستطيع أن ينصرهم أو يسير جيشا ليذب عنهم. شعارهم “انصر أخاك ظالماً او مظلوماً” نهجهم “المسلمونَ تتكافأُ دماؤهُم ويسعى بذمَّتِهم أدناهُم ويردُّ عليهم أقصاهُم وهم يدٌ على من سواهم ولا يُقتَلُ مسلمٌ بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ”

 

وأحسن ما قيل في ذلك:

 

إذَا اشْتَكَى مُسْلِمٌ فِيْ الصِيْنِ أرَّقَنِيْ *** وإنْ بَكَى مُسْْلِمٌ فِيْ الْهِنْدِ أبْكَانِي

وَمِصْرُ رَيْحَانَتِيْ وَالشَامُ نَرْجِسَتِيْ *** وَفِيْ الْجَزِيْرَةِ تَارِيْخِيْ وَعُنْوَانِي

 

هذه الاتفاقيات البغيضة ساعدت إلى تمزيق وصال وحبال الأمة الإسلامية وشتت وحدتها فأصبحت الأمم تتآكلها وتفترسها كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: “تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن إذا يا رسول الله، قال: كثير، لكن غثاء كغثاء السيل”

تُعد اتفاقية سايكس–بيكو واحدة من أكثر الاتفاقيات السياسية تأثيرًا في التاريخ الحديث للمنطقة العربية والإسلامية، إذ شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في إعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الأولى. وقد ارتبط اسم الاتفاقية في الوعي الجمعي العربي والإسلامي بالتقسيم والتجزئة، وبتكريس النفوذ الاستعماري الغربي على حساب وحدة الأمة وسيادتها.

نشأ مشروع اتفاقية سايكس–بيكو في سياق دولي اتسم باحتدام الصراع بين القوى الأوروبية الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918). ففي ظل تراجع الدولة العثمانية، التي كانت تمثل الإطار السياسي الجامع لمعظم الأقاليم العربية والإسلامية، سعت كل من بريطانيا وفرنسا إلى ضمان مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية في المشرق العربي. وفي عام 1916، جرت مفاوضات سرية بين الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي جورج بيكو، أسفرت عن اتفاق يقضي بتقاسم النفوذ والسيطرة على الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية في حال هزيمتها. وقد جاءت هذه المفاوضات متزامنة مع وعود بريطانية للعرب بالاستقلال مقابل مشاركتهم في الثورة العربية الكبرى، ما يعكس ازدواجية السياسة الاستعمارية الغربية في تلك المرحلة.

تضمنت اتفاقية سايكس–بيكو بنودًا رئيسية تهدف إلى تقسيم المشرق العربي إلى مناطق نفوذ مباشرة وغير مباشرة بين بريطانيا وفرنسا. ويمكن تلخيص مضامينها في: تقسيم بلاد الشام والعراق إلى مناطق خاضعة للسيطرة أو النفوذ الفرنسي والبريطاني، إخضاع فلسطين لإدارة دولية خاصة نظرًا لأهميتها الدينية والاستراتيجية، وإنشاء كيانات سياسية جديدة تخضع شكليًا للحكم المحلي، لكنها فعليًا واقعة تحت الوصاية الاستعمارية.

وقد أُبرمت الاتفاقية بسرية تامة، دون أي تمثيل أو مشاركة عربية أو إسلامية، ما يعكس طبيعتها الإقصائية وافتقارها إلى الشرعية الشعبية. بل هي لا تمثل المجتمع المسلم باي من الأحوال.

لا يخلو أي مشروع استعماري أو ايدلوجي من أهداف ويمكن تحليل أهداف اتفاقية سايكس–بيكو على مستويين مترابطين:

*أولاً:* الأهداف السياسية: تمثلت في إضعاف الدولة العثمانية ومنع قيام كيان عربي أو إسلامي موحد يمكن أن يشكل تهديدًا للمصالح الغربية مستقبلًا، ومن خلال ترسيم الحدود وتشكيل الكيانات السياسية في الدولة الواحدة.

*ثانياً:* الأهداف الاقتصادية: سعت بريطانيا وفرنسا إلى السيطرة على الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط، وضمان خطوط التجارة والمواصلات الاستراتيجية، خاصة الطرق المؤدية إلى الهند بالنسبة لبريطانيا.

كما هدفت الاتفاقية إلى تكريس مبدأ “فرّق تسد”، بما يضمن استمرار الهيمنة الاستعمارية بأقل كلفة ممكنة.

قامت اتفاقية سايكس–بيكو على جملة من المعالم الأساسية، منها: تجاهل الروابط التاريخية والدينية والثقافية بين شعوب المنطقة، اعتماد التقسيم الجغرافي المصطنع بدلًا من الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، ترسيخ مفهوم الدولة القُطرية على حساب الانتماء الحضاري الإسلامي والعربي الأشمل، وربط الكيانات الجديدة بالمركز الاستعماري سياسيًا واقتصاديًا.

وقد أسهمت هذه المعالم في خلق دول هشة البنية، تعاني من أزمات هوية وصراعات داخلية مزمنة.

رغم الطابع السري للاتفاقية البغيضة، إلا أن شروطها الجوهرية تمثلت في: خضوع المناطق المقسّمة لنظام الانتداب لاحقًا، بما يمنح الاستعمار غطاءً قانونيًا دوليًا، التزام الطرفين البريطاني والفرنسي بعدم السماح بقيام دولة عربية مستقلة وموحدة، وضمان حرية الحركة الاقتصادية والعسكرية للقوى الاستعمارية في المناطق الخاضعة لنفوذها. وقد كرّست هذه الشروط واقع التبعية السياسية والاقتصادية، وأعاقت تطور مشروع استقلال حقيقي.

لقد اختلف تعاطي الدول الإسلامية مع اتفاقية سايكس–بيكو باختلاف السياقات السياسية والتاريخية. فبعض الدول قبلت بالأمر الواقع وسعت إلى ترسيخ حدودها القُطرية وبناء دولها الوطنية ضمن الإطار الذي فرضته الاتفاقية. في المقابل، تبنّت حركات فكرية وسياسية إسلامية وقومية خطابًا ناقدًا للاتفاقية، معتبرة إياها أصل البلاء في التجزئة والتخلف. وفي العقود الأخيرة، برزت محاولات خجولة لإعادة تفعيل التعاون الإسلامي والعربي من خلال منظمات إقليمية، غير أن هذه الجهود ما زالت تصطدم بإرث سايكس–بيكو وحدوده السياسية والنفسية.

كان لاتفاقية سايكس–بيكو أثر بالغ العمق والاستدامة على وحدة الأمة الإسلامية، ويمكن تلخيص أبرزها: تفتيت المجال الجغرافي والسياسي للأمة الإسلاميَّة إلى كيانات متنازعة ومتناحرة، إضعاف الروابط الوحدوية والأخوية لصالح الولاءات القُطرية والقومية الضيقة، تسهيل التدخلات الخارجية في شؤون المسلمين وفرض الوصايا الدولية وصناعة الصراعات الإقليمية عبر تشكيل ودعم المنظمات الإرهابية، عرقلة مشاريع التكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول العربية والإسلامية.

ولا يزال هذا الأثر حاضرًا في العديد من الأزمات والنزاعات المعاصرة، ما يؤكد أن الاتفاقية لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل بنية تأسيسية لنظام إقليمي مأزوم.

يُظهر هذا التحليل أن اتفاقية سايكس–بيكو شكّلت حجر الأساس في إعادة تشكيل المنطقة العربية والإسلامية وفق مصالح القوى الاستعمارية، على حساب وحدة الأمة واستقلالها. ورغم مرور أكثر من قرن على إبرامها، فإن تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما زالت ماثلة للعيان. إن تجاوز هذا الإرث لا يتطلب فقط نقد الاتفاقية تاريخيًا، بل يستدعي أيضًا بناء مشروع نهضوي وحدوي جديد، يقوم على الإرادة الحرة، والتكامل، واحترام الخصوصيات الوطنية ضمن إطار حضاري جامع.

 

ولنا لقاء إن شاء الله……

 

تحياتي وتقديري

 

#سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…