الحصار والتجويع لن يكسر إرادة الشعب السودانيّ
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في هذه اللحظة التاريخيّة المظلمة، يعيش السودان واحدة من أقسى المآسي التي عرفتها الشعوب في العصر الحديث. فالمليشيات المسلّحة، وعلى رأسها مليشيات الدعم السريع، لم تكتفِ بارتكاب الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية، بل مضت في سياسة حصار وتجويع ممنهج ضد المدنيين العزّل، محاولةً أن تجعل من الجوع سلاحًا لإخضاع شعبٍ أبيّ لم يعرف يومًا الانكسار.
إنّ مشهد المدن السودانيّة اليوم يختصر حجم الفاجعة: أطفال يتضورون جوعًا، أمهات يذرفن الدموع على أبواب مغلقة، شيوخ يواجهون الموت البطيء بلا دواء ولا غذاء. كل ذلك يجري تحت أنظار العالم الذي يكتفي بالصمت أو بيانات الشجب، بينما تُرتكب على الأرض جريمة مكتملة الأركان بحق شعبٍ لا يملك سوى إرادته وكرامته.
لقد أرادت هذه المليشيات أن تُخضع السودانيين بالقوة، أن تجعل من الحصار وسيلة لكسر العزيمة، ومن التجويع أداة لإذلال الإنسان. غير أنّ التاريخ علّمنا أنّ الشعوب الحيّة لا تُهزم بالجوع، ولا تُكسر بالحصار، ولا تُذلّ بالحرمان. فالشعب السودانيّ الذي واجه الاستعمار، وخرج في ثورات متعاقبة ضد الطغيان، يثبت اليوم أنّه قادر على الصمود في وجه أبشع صور القهر، وأنّ إرادته أقوى من كل محاولات الإبادة المعنويّة والجسديّة.
الحزن يخيّم على البيوت، والدموع تملأ العيون، لكن خلف هذا الحزن يقف شعبٌ يرفض أن يُساق إلى الاستسلام. إنّ السودانيين اليوم يكتبون بدمائهم وصبرهم ملحمة جديدة، ملحمة تقول للعالم إنّ الكرامة لا تُشترى، وإنّ الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وإنّ المليشيات مهما طغت ستزول أمام عظمة شعبٍ لا يعرف الانكسار.
إنّ ما يحدث في السودان ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو امتحان قاسٍ لإرادة أمة بأكملها. فالحصار والتجويع ليسا سوى أدوات يائسة في يد مليشيات فقدت شرعيتها، وارتكبت كل الجرائم المحرّمة في الدين والقانون. ومع ذلك، فإنّ إرادة الشعب السودانيّ تظلّ صامدة، حزينة نعم، مثقلة بالجراح نعم، لكنّها عصيّة على الانكسار.
السودان اليوم ينزف، لكنّه ينزف بكرامة. السودانيون يتألمون، لكنّهم يتألمون بشموخ. والمستقبل، مهما بدا مظلمًا، يحمل وعدًا أكيدًا بأنّ هذه المليشيات إلى زوال، وأنّ إرادة الشعب السودانيّ ستظلّ أقوى من كل حصار، وأكبر من كل تجويع، وأبقى من كل ظلم.
meehad74@gmail.com
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





