الجفلن خلهن أقرع الوقفات
د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي

مثلٌ سوداني قديم يُقال للدلالة على أن من لا يُحسن التصرّف في النعمة أو القوة يفقدها، فتؤول في النهاية إلى من هو أقدر على الثبات وإدارة المواقف الصعبة. و«الوقفة» هنا ليست مجرد وجود، بل صبر، وتخطيط، وقدرة على الاحتمال عند الشدائد.
وعند إسقاط هذا المثل على واقع الحرب السودانية، تظهر المقارنة جليّة بين ما كان في أيدي قوات الدعم السريع من عتاد ومواقع ونفوذ، وما انتهى لاحقًا إلى سيطرة الجيش السوداني عليه. فقد امتلك الدعم السريع في بدايات الصراع كميات ضخمة من السلاح، ومعسكرات استراتيجية، وانتشارًا واسعًا داخل المدن، إضافة إلى عنصر المفاجأة وسرعة الحركة. غير أن هذه القوة، رغم ضخامتها، افتقرت إلى الإدارة المؤسسية، والانضباط العسكري، والقدرة على إدارة حرب طويلة النفس.
في المقابل، تعامل الجيش السوداني مع المعركة بعقلية مختلفة. صحيح أنه خسر مواقع ومعدات في مراحل أولى، لكنّه اعتمد على الصبر، وإعادة التنظيم، واستنزاف الخصم، والاستفادة من أخطاء التمدد السريع للدعم السريع داخل المدن. ومع مرور الوقت، بدأت موازين القوة تميل، ليس بالكمّ وحده، بل بحسن الاستخدام والتخطيط.
وهكذا، عادت كثير من الأسلحة والمواقع التي كانت بيد الدعم السريع إلى الجيش، أحيانًا دون قتال مباشر، بعد أن أنهك الاستنزاف الطويل تلك القوات أو فقدت السيطرة عليها. فالقوة التي لم تُحسن الوقوف عند الاختبار الحقيقي، تخلّت عنها الظروف، لتستقر في يد من صبر وثبت.
الخلاصة أن الصراعات لا تُحسم فقط بكثرة السلاح أو سرعة السيطرة، بل بالقدرة على إدارة القوة، وتحمل الضغوط، وحسن التقدير السياسي والعسكري.ومن آخر البشريات التي تجسّد هذا المثل واقعًا لا قولًا، استرداد مدينتي الدلنج وكادقلي الاستراتيجيتين، ومعظم إقليم كردفان، بعد فترة طويلة من التعقيد العسكري والأمني. فهاتان المدينتان تمثلان ثقلًا جغرافيًا وعسكريًا مهمًا، والسيطرة عليهما تعني كسر خطوط إمداد، وتأمين عمق استراتيجي، وفتح المجال لإعادة بسط الاستقرار في الإقليم.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





