الأصابع الخفية في الحرب السودانية: بين مليشيات الدعم السريع والمواقف السياسية؟ الحلقة الثالثة: مليشيات الدعم السريع وأهدافها
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

مليشيات الدعم السريع لم تعد كما كانت قوة عسكرية فهي مازالت تسعى إلى تثبيت نفوذها السياسي والعسكري، واضعاً نفسها في قلب معادلة الحكم، ومقدم نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها. هذه المليشيات التي نشأت في ظروف مضطربة، سرعان ما وجدت في الحرب فرصة لتوسيع سلطتها، لكنها لم تتحرك وفق بوصلة وطنية جامعة، بل وفق بوصلة مصالح اقتصادية وسياسية ضيقة، تجعل من بقائها في المشهد رهن بقدرتها على التحكم في الموارد وتوظيفها لخدمة مشروعها الخاص.
خلف الطموح العسكري والسياسي لهذه المليشيات تكمن مصالح اقتصادية ضخمة، إذ ارتبط اسمها بتجارة الذهب، وبشبكات تمويل خارجي معقدة، جعلتها قادرة على تمويل عملياتها العسكرية وتثبيت وجودها على الأرض. هذه المصالح الاقتصادية لم تكن مجرد وسيلة للبقاء، بل تحولت إلى هدف بحد ذاته، حيث أصبح الذهب السوداني أحد أهم مصادر قوتها، وأداة لتوسيع نفوذها داخلياً وخارجياً. الحرب بالنسبة لها لم تعد معركة وجود، بل معركة امتيازات، معركة تهدف إلى ضمان استمرار تدفق الموارد، وتثبيت مكانتها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية قادمة.
المشهد السوداني بهذا المعنى أصبح أكثر تعقيداً، فبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن حماية الدولة والسيادة، تتحرك مليشيات الدعم السريع وفق أجندة مختلفة، أجندة تقوم على تثبيت النفوذ، والتحكم في الموارد، وتوظيف الدعم الخارجي بما يخدم مصالحها. هذا الواقع جعل من الحرب بلا بوصلة وطنية، إذ لم تعد تدور حول مشروع وطني جامع، بل حول مصالح ضيقة، تتغذى من الخارج وتستنزف الداخل. المواطن السوداني وجد نفسه مرة أخرى ضحية لصراع لا يملك فيه زمام المبادرة، حيث تتحول أرضه إلى ساحة لتجارب النفوذ، وموارده إلى غنيمة تتنافس عليها القوى الخارجية .
إن أخطر ما يميز مليشيات الدعم السريع هو أنها لا ترى نفسها مجرد طرف في الحرب، بل ترى نفسها القوة التي يجب أن تكون في قلب الحكم، وأن أي معادلة سياسية لا يمكن أن تستقر من دونها. هذا الطموح يجعلها تتحرك بعنف، وتقاتل بضراوة، وتستثمر في استمرار الحرب، لأنها تدرك أن نهاية الحرب قد تعني نهاية امتيازاتها. لذلك، فإن استمرار الصراع بالنسبة لها ليس مأساة، بل فرصة، فرصة لتوسيع النفوذ، وتعزيز السيطرة، وضمان أن تبقى رقماً صعباً في المشهد السوداني.
الحلقة الثالثة تكشف أن مليشيات الدعم السريع ليست مجرد قوة عسكرية تبحث عن البقاء، بل هي مشروع سياسي واقتصادي خارجي متكامل، يتحرك وفق بوصلة مصالح لا وفق بوصلة وطن، ويجعل من الحرب معركة امتيازات أكثر من كونها معركة وجود. هذا الواقع يضع السودان أمام تحدٍ خطير، فبينما يغيب المشروع الوطني الجامع، تواصل هذه المليشيات تثبيت نفوذها، وتوظيف موارد البلاد لصالحها، لتظل الحرب بلا أفق، بلا هدف، وبلا وطن جامع.
meehad74@gmail.com
حميدتي: المهرج الذي أصبح مضحكة العالم
في عالم يبحث عن الضحك في العاصمة اليوغندية كمبالا يأتي حميدتي ليقدم عرضًا كوميديا غير مقصو…





