‫الرئيسية‬ مقالات نظام فوترة السيادة الجديد (٢-٣)
مقالات - ‫‫‫‏‫35 دقيقة مضت‬

نظام فوترة السيادة الجديد (٢-٣)

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 

“أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة…أن تُدار باعتبارها ضرورة للآخرين، لا ضرورة لنفسها”

 

بعد أن فككنا مفهوم “الدولة الوظيفية”، في الجزء الأول، وربطناه بتحولات القيادة الدولية من الليبرالية إلى التعاقدية، نصل الآن إلى السؤال الذي لا يحتمل المجاملة:

> أين يقف السودان في هذه المعادلة؟

ليس سؤالًا عاطفيًا،

ولا جلدًا للذات،

بل قراءة باردة في غرفة عمليات الجغرافيا السياسية.

وهنا تبدأ #أصل_القضية

 

أولا: هل نملك تعريفًا ذاتيًا لوظيفتنا؟

منذ الاستقلال، ظل السودان يتحرك داخل خرائط رسمها الآخرون:

●مرة كخط صدٍّ في مواجهة المدّ الإقليمي.

●مرة كحاجز أمني للهجرة نحو أوروبا.

●مرة كساحة صراع بالوكالة.

●ومرة كسوقٍ مفتوح لإعادة توزيع النفوذ.

لكن…

> متى قدّم السودان تعريفه الخاص لوظيفته؟

الدولة السيادية تُعرّف نفسها أولًا، ثم تتفاوض على موقعها.

أما الدولة الوظيفية فتُعرَّف خارجيًا، ثم تُقنع شعبها أن هذا قدرها.

المشكلة ليست في أن يكون للدولة وظيفة…

بل في أن تُفرض عليها دون أن تصوغها.

 

ثانيا : من يُموّل من؟ ومن يُسلّح من؟

في عالم القيادة التعاقدية، لا شيء بلا مقابل.

حين ننظر إلى مسارات التمويل، التسليح، الدعم السياسي، والعقوبات…

نكتشف أن السؤال الحقيقي ليس: من معنا؟

بل: بأي ثمن؟

الدولة التي لا تموّل نفسها ،

لا تملك قرارها الاقتصادي.

لا تتحكم في إيقاع حربها أو سلمها.

ولا تستطيع رسم أولوياتها بعيدًا عن ضغوط الممولين.

وهنا يتقاطع السودان مع نموذج الدولة الوظيفية في أخطر نقاطه،

وجودٌ قانوني…

لكن هشاشة في الإرادة المستقلة.

 

ثالثا : لماذا تُجهض المشاريع الوطنية؟

كلما حاول مشروع وطني أن يولد — اقتصاديًا، سياسيًا، أو أمنيًا —

تكالبت عليه ماكينة معقدة من:

●ضغوط خارجية.

●انقسامات داخلية.

●نخب مرتبطة بمراكز تمويل.

●سرديات تُشيطن أي محاولة للاستقلال.

> السؤال ليس: لماذا نفشل؟ بل: من يخسر إذا نجحنا؟

الدولة الوظيفية مسموح لها أن تعيش،

لكن غير مسموح لها أن تتحول.

لأن التحول يعني انتقالها من بندٍ في عقد…

إلى طرفٍ في تفاوض.

 

رابعا : السودان: جغرافيا الجسر أم جغرافيا الفاتورة؟

وفق رؤية “الجسر والمورد”، يمتلك السودان ما لا تملكه دول كثيرة:

●موقع جيوسياسي بين البحر الأحمر والعمق الإفريقي.

●موارد طبيعية هائلة.

●عمق بشري وثقافي متنوع.

لكن المشكلة لم تكن يومًا في الإمكانات،

بل في هندسة استخدامها.

● إما أن يتحول الموقع إلى جسر نفوذ، أو يبقى مجرد ممر مستباح.

●إما أن تتحول الموارد إلى أداة استقلال اقتصادي، أو تبقى مادة خام تُصدّر بلا قيمة مضافة.

> الفرق بين الجسر والممر… أن الأول يُدار،والثاني يُستَخدم.

 

خامسا : لحظة المفترق: السيادة أو الذوبان

في عالم ما بعد الخطاب التعاقدي، الدول التي لا تعيد تعريف نفسها ستُعاد صياغتها.

انظر إلى ما حدث في ليبيا :

كيان تحوّل من دولة ذات مركزية قوية إلى ساحة نفوذ متعددة الرعاة.

وتأمل نموذج الصومال :

دولة موجودة في القانون، متآكلة في الواقع.

المسألة ليست تخويفًا،

بل قراءة في مصير الكيانات التي لم تحسم تعريفها.

 

سادسا: هل يمكن كسر الحلقة؟

نعم… لكن بشروط.

ليس عبر الشعارات،

ولا عبر استدعاء العاطفة،

ولا عبر إعادة تدوير النخب ذاتها.

بل عبر:

●إعادة تعريف الوظيفة الوطنية من الداخل.

●بناء اقتصاد يمول قراره.

●”صناعة” نخبة تنبع من مشروع، لا من منحة.

●إدارة الصراع بوعي سيادي لا بردود فعل.

> السيادة ليست خطابًا… إنها قدرة على قول “لا” حين يجب أن تُقال.

 

#أصل_القضية: السودان ليس قدرًا جغرافيًا… بل خيارًا سياسيًا

الدولة التي تعرف لماذا وُجدت،

لا تخاف من تبدل العقود الدولية.

أما الدولة التي لا تملك تعريفًا لذاتها،

فستبقى تتأرجح بين ممولٍ وآخر،

وتُسمّى بما يختاره لها غيرها.

السودان اليوم أمام لحظة فارقة:

●إما أن يتحول إلى جسرٍ يعبر به إلى موقع الفاعل،

●أو يبقى موردًا يُعاد توزيعه في خرائط الآخرين.

وفي زمن تُعاد فيه صياغة العالم بميزان الكلفة والعائد…

لن يبقى إلا من يملك معناه.

والسؤال الذي سنفتحه في الجزء القادم:

> هل نمتلك شجاعة الانتقال من “الدولة الوظيفية” إلى “الدولة الرسالية”؟

أم أن كلفة المعنى ما تزال أعلى من قدرتنا على الدفع؟

وهنا #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

موقعة بدر الكبرى

الحمد لله وحده، نصر جنده، وأعزَّ دينه، وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ …