‫الرئيسية‬ مقالات الإرهاب أم الإقصاء السياسي؟ قراءة نقدية لقرار تصنيف كتائب البراء والإخوان المسلمين في السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الإرهاب أم الإقصاء السياسي؟ قراءة نقدية لقرار تصنيف كتائب البراء والإخوان المسلمين في السودان

مسارات  د.نجلاء حسين المكابرابي 

في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الدول، تبرز قرارات سياسية حساسة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتحدد طبيعة الحياة السياسية فيها. ومن بين هذه القرارات المثيرة للجدل في الساحة السودانية الدعوات أو القرارات المتعلقة بتصنيف كتائب البراء وجماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن قوائم الجماعات الإرهابية.

ومع خطورة هذا النوع من التصنيفات، فإن من الضروري التعامل معه بقدر كبير من الموضوعية القانونية والسياسية، لأن إدراج أي جماعة أو تنظيم ضمن قوائم الإرهاب ليس مجرد توصيف سياسي، بل حكم قانوني بالغ الخطورة تترتب عليه آثار واسعة تمس الحقوق السياسية والمدنية، وتؤثر في طبيعة الحياة العامة داخل الدولة.

إن مفهوم الإرهاب في القانون الدولي يقوم على معايير محددة، أهمها استهداف المدنيين أو استخدام العنف المنظم لتحقيق أهداف سياسية خارج إطار الدولة والقانون. ولهذا فإن إطلاق هذا الوصف على جماعات أو تيارات سياسية يجب أن يستند إلى أدلة واضحة وإجراءات قانونية شفافة، لا إلى تقديرات سياسية أو صراعات بين القوى المختلفة.

في الحالة السودانية، يرى كثير من المراقبين أن النقاش حول تصنيف بعض القوى ضمن قوائم الإرهاب يعكس بدرجة كبيرة حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب وتعقّد مسار الانتقال السياسي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الخلط بين الخلاف السياسي والتوصيف الجنائي أمراً وارداً، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاتهامات بطريقة تضر بالعملية السياسية نفسها.

لقد ظلت جماعة الإخوان المسلمين جزءاً من المشهد السياسي والفكري في السودان منذ عقود طويلة، سواء عبر العمل التنظيمي أو النشاط الفكري أو المشاركة غير المباشرة في الحياة العامة. ومهما اختلفت الآراء حول دورها السياسي أو تجربتها في الحكم، فإن تحويل الخلاف معها إلى تصنيف قانوني بالإرهاب يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا القرار وحدوده القانونية.

أما ما يُعرف بـ كتائب البراء، فإن الجدل حولها يرتبط أساساً بظهورها في سياق الحرب الدائرة في السودان، حيث برزت مجموعات مسلحة مختلفة تحت مسميات متعددة في إطار الصراع العسكري القائم. وفي مثل هذه الحالات المعقدة، يصبح من الضروري التمييز بين واقع الحرب وبين إصدار أحكام سياسية أو قانونية قاطعة قد تفتقر إلى التحقيق المستقل أو المعايير القانونية الدقيقة.

إن التجارب الدولية في الدول الخارجة من النزاعات تشير إلى أن استخدام مصطلح الإرهاب في الصراعات الداخلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه يعمّق الاستقطاب السياسي ويغلق أبواب الحوار الوطني. فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها السياسية اعتمدت في الغالب على آليات المصالحة الوطنية والتنافس السياسي المفتوح بدلاً من سياسة الإقصاء والتجريم الواسع.

كما أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل الخصوم السياسيين قد يضعف مصداقية هذا المفهوم نفسه، لأن المجتمع الدولي يتعامل مع قضايا الإرهاب وفق معايير دقيقة ومحددة. وعندما يتحول المصطلح إلى أداة في الصراع السياسي الداخلي، فإنه يفقد معناه القانوني ويصبح جزءاً من أدوات الاستقطاب.

إن السودان اليوم يقف أمام مرحلة دقيقة في تاريخه الحديث، مرحلة تتطلب بناء مشروع وطني جامع قادر على استيعاب التنوع السياسي والفكري داخل المجتمع. ولا يمكن لهذا المشروع أن يقوم على أساس الإقصاء أو التصنيفات السياسية، بل على قاعدة التعددية واحترام حق الاختلاف وإدارة الصراع عبر المؤسسات والقانون.

ومن هنا فإن التعامل مع مسألة تصنيف الجماعات أو التنظيمات يجب أن يتم عبر إجراءات قانونية مستقلة وشفافة، تضمن العدالة وتحمي الدولة من استخدام القانون كأداة في الصراع السياسي. فالقانون في الدول الحديثة يجب أن يكون فوق الصراعات السياسية، لا أن يتحول إلى امتداد لها.

في نهاية المطاف، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط إنهاء الحرب، بل بناء نظام سياسي قادر على إدارة الخلافات بين القوى المختلفة دون اللجوء إلى الإقصاء أو التجريم السياسي. فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم على إبعاد الخصوم، بل على تنظيم التنافس بينهم في إطار دولة القانون والمؤسسات.

ولهذا يبقى السؤال المطروح أمام النخب السياسية السودانية:

هل يمكن بناء دولة مستقرة عبر توسيع دائرة التصنيفات والإقصاء، أم أن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر فتح المجال لحوار سياسي شامل يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع؟

‫شاهد أيضًا‬

في أجواء رمضانية سادتها الالفة….تأشير يقيم إفطاره الرمضاني ببورتسودان 

أقام مركز تأشير بمدينة بورتسودان إفطاره الرمضاني السنوي بحضور المدير العام للمركز الكابتن …