حين يصبح الوطن ذكرى… وتبقى العودة أملاً
سلوي أحمد عثمان

ثلاث سنوات تعاقبت أيامها وتلاحقت لياليها، ثلاث سنوات مرت بثقلها وأحداثها علينا بطيئة رتيبة، ثلاث سنوات إفتقدنا فيها الكثير، بيوتنا، صحبتنا، أحبابنا، ذكرياتنا، مقتنياتنا، حتى تخطيطاتنا وأحلامنا أصبحت أسيرة التغيرات، وحبيسة الذوات، ملامحنا صارت كدهشة اللحظات الأولى، وجمود الأحداث، لا نستطيع قراءتها، ولا فك طلاسمها، هي مزيج لا يقبل الإنفكاك ولا يرضى بالتجانس..
كصفعة قوية تبعثرت على إثرها أشياء وأشياء، تفرق الشمل وتبعثر العقد بين المدن والبلدان، إبتعدنا عن ديارنا وإفتقدنا أنسنا والأمان، مقتنياتنا َمدخورات أعمارنا، تفاصيل حياتنا وجميع ذكرياتنا، لمساتنا، همساتنا، ضحكاتنا، هنا كنا نتجمع حول الطعام، وهنالك سمرنا عند إحتساء الشاي والقهوة، تلك مساحة مشاهداتنا، سجادتنا ومصاحفنا، وتحلقنا، تفاكرنا، كل ذلك أصبح ذكريات مرة، بعد أن كان عادات مستمرة..
أدركنا متأخر جدا أننا ما أعطينا تلك النعم حقها من الشكر، إعتدناها حتى فقدناها فانتبهنا لتقصيرنا، هل طوت الأحداث صفحة تاريخنا!! هل تسرب ماضينا كالماء من بين شقوق قلوبنا!!
أما الجرح الأعمق هو فراقنا لوطننا، كم نشتاق لرائحة غباره، ورزاز أمطاره، ودفئ صيفه ولفحات شتائه، وصفاء أهله، إلى كل شبر فيه نحن ونشتاق، ننام على دمعات الأشواق ونصحوا على واقع الفراق، أصبحنا نملك صك وجود، نعم بطاقة إنتماء بدونها لا ندري مآلنا، قصاصة تثبت شرعية إقامتنا، أصبح تجوالنا محكوم بها، محظور دونها، لا تغفل، ولا تترك للنسيان سبيل، فهذه البطاقة تتحكم في تجوالك، بعد أن كنا نجوب بلادنا طولا وعرضا آمنين …
صارت الأيام تتشابه في ملامحها فلون الفقد واحد وباهت..
فجر ذلك السبت كان بداية قصة إمتدت فصولها، مخطط طال الوطن وأهله، أذكر جدا تلك الصورة وتتجلي ملامحها مع كل لحظات تمر، حشود آليات وجنود، وحي المطار الآمن مسكن القادة وأساتذة الجامعات والقضاة ووكلاء النيابة، ولفيف من أعيان البلد، كان هادئا ووادعا كأهله
حتى دخله أؤلئك بعد الثورة، فإنتشر السلاح في شوارعه في ظاهرة ملفتة للأنظار وباعثة للتعجب والإستغراب …
وفي شهر القرآن شهر الخير والبركات، الشهر الذي تعمر فيه البيوت بالرحمات وتتعطر بروائحه المميزة، شهر تمتلئ فيه البيوت بالطيبات، وكحال كل البيوت كان بيتنا، ممتلئ بكل ذلك وينعم بالأمان، ومع نسمات العيد وبشريات القدوم، وعادتي اني أحب الترتيب المبكر، فكنت أجتهد ليكون ذلك
نعم لم يكن في خواطرنا سوء نوايا تجاه أؤلئك القتلة الأوباش، نعم خانوا العشرة (والملح والملاح)، كانوا وجنودنا يتبادلون التحايا ويتقاسمون الوجبات كما الأنس والضحكات، ولم نكن ندري نوائب الغدر التي تخفيها الإبتسامات الخبيثة..
ومع كل ليلة وفي تهجدنا ينتابنا قلق خفي من ذلك الإضطراب والتحشيد الملفت، ولكن لم نتوقع كل ذلك، رغم ان الأمر تطور حتى إضطررت إلى تعديل طريقي المعتاد، وبالجانب الآخر منظر الجيش الذي يلعث بالإطمئنان ويطرد عنا كل إحساس سالب، حتى كان اليوم الذي ترك بصمته في حياة كل سوداني..
بدات قبله في إعداد حلويات العيد وترتيب المنزل ونظافته، وأنا أسعد بلحظات وضع صواني الخبائز أمامي بكل سعادة …
كان الأوغاد على بابي، وصدى السلاح يشق سماء حينا الساكن، دنسوا دارنا بدخولهم، وداسوا طهارته بنجاسة أقدامهم ونفوسهم الغادرة، وسيل تهديدهم ووعيدهم يسابق خطاهم، دهشتي لا تخفى فلم اكن أعلم مرادهم ومطلبهم، توقعت والشرر يتطاير من ملامحهم والسلاح على أياديهم لا سبيل للنجاة، ولكن الامل في تدبير الله كان قوي جداً ….
جمعنا أموالنا وذهبنا وكل ما نحتاج في حقائبنا، ولكن وضاعتهم ظهرت منذ البداية، بكل شراهة تكالبوا على حصاد عمرنا كما الفريسة على ضحيتها، أخذوا الأموال والمصوغات والهواتف والثياب والملابس والمفروشات، كل ذلك والسلاح مرفوع في وجوه النساء والعزل، ثم طلبوا منا بكل برود مغادرة دارنا، في إحتلال مر جدا، حاورت حينها قائدهم فقلت له أنتم أصحاب قضية كما تذكرون فلم السرقة ؟!
إستفسر عن المسروقات فأخبرته
سألني عن التفاصيل
قد يكون ذهب خيالكم إلا أنه أراد الإنصاف 😃 ولكني أدركت أنه ينوي إقتسام الغنيمة، أجبته بأسألهم هم …
صرنا أسرى عندهم يأمروننا وينهونا بالحركة داخل مملكتنا ودارنا الذي عشنا فيه طلقاء صرنا نتحرك بالتعليمات وحسب المزاج وحملات التفتيش، قضينا الوقت مطروحين أرضا، وأسرتنا تحت قبضتهم، وزاد الأمر صعوبة تساقط زجاج النوافذ والأبواب والتحف والنجف، والانوار، وغبار السقوف، حتى إستقر بنا المقام تحت سقف آمن، فصرنا بين نارين، الحرس الرئاسي أمامنا والجنجويد خلف نوافذنا، وصوت السلاح بكل أنواعه يصك آذاننا، رعب وهلع، ثم طلبوا منا مغادرة الدار ذكروا لنا أن المنازل حولنا قد إحترقت وأن البقاء أصبح خطر جدا، إقتادونا إلى مسجد الحي، إجتمعنا بعدد من الأسر والجيران، ثم تم ترحيلنا وتوصية السائق ان كلمة السر للعبور من الإرتكازات هي ( أنهم من طرف الخال)
غادرنا حينا وجيرتنا ومسجدنا وديارنا
خرجنا وقلوبنا تتعلق بالشوارع والمعالم، دموعنا كالحصى في ليل حالك السواد .. ثقيلة وقوية وساخنة، مشاعرنا في تضاد وإضطراب، تطوي السيارة المسافات ومعها تطوي كل أحاسيسنا، تبلدنا،
فبدأت تفاصيل أصعب قصة مرت على شعب السودان، يصعب علينا شريط تذكارها، ويغالبنا سبيل كتابتها وسردها فكل حرف يضج بمشاعر وأوجاع، هي رواية أرادوا ان تمتد فصولها بذل وهوان وتفرق لأهل هذا البلد الطيب ونهاية وطن عزيز، ولكن بفضل الله ثم عزيمة جنوده وتلاحم أهله دفاعا وداعاءا تم النصر، وأثبت لكل العالم أن الغلبة مع الحق وأن هذا الجيش وشعبه عصيون جدا على كل المؤامرات، تلاحم أعجب الأحباب ودحر ورد كيد الأعداء، وصبر أدهش كل الدنيا، نعم قدم هذا الشعب فلذات اكباده خرجوا لله ثم حماية للأرض والعرض الذي أرادوا ان يدنسوه بلا رحمة، صمدوا وما وهنوا صبروا فما لانوا ثبتوا وما إستكانوا تَجونا بالإنتصار وتوجناها بالعرفان والفخار..
تكاتف وصبر وثبات ثم عود يجبر ويسر …
سنعود ويعود سوداننا الذي نحب أروع وأجمل بعون الله 🇸🇩✌️
عرس المهن الصحية… الإنتصار على الحرب
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتثقل كاهل الدولة السودانية أعباء الحرب وإعادة البناء، تبرز بع…





