السودان يحترق… فهل تكسر هيئة علماء السودان صمتها وتقود معركة التجديد؟
مسارات د.نجلاء حسين المكابرابي

في لحظات الانكسار الكبرى التي تمر بها الأمم، لا يكون الصمت خياراً بريئاً، بل قد يتحول إلى موقف يُسجله التاريخ بقدر ما يسجل الكلمات والمواقف. والسودان اليوم يعيش واحدة من أكثر مراحله خطورة منذ قيام دولته الحديثة؛ حربٌ أنهكت البلاد، واقتصادٌ يثقل كاهل المواطن، ونسيجٌ اجتماعي يتعرض لتصدعات غير مسبوقة. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يتجدد السؤال الملح: أين يقف العلماء من كل ما يجري؟
إن الأنظار تتجه بطبيعة الحال إلى هيئة علماء السودان، بوصفها إحدى أهم المرجعيات الدينية في البلاد. فالمجتمع السوداني، الذي ظل عبر تاريخه يجل العلماء ويمنحهم مكانة روحية وأخلاقية رفيعة، ينتظر منهم اليوم دوراً يتجاوز حدود الوعظ التقليدي إلى قيادة وعيٍ وطني يواجه الانقسام ويصون القيم.
لقد كان العلماء في تاريخ السودان قوة إصلاحية مؤثرة؛ يقفون في وجه الظلم، ويسعون إلى إطفاء الفتن، ويجمعون الناس حول القيم الجامعة للدين والوطن. غير أن التحولات العميقة التي يعيشها السودان اليوم تطرح سؤالاً حاداً: هل ما زالت المؤسسة الدينية قادرة على أداء هذا الدور التاريخي، أم أن خطابها ما زال أسير القوالب التقليدية التي لم تعد تلامس تعقيدات الواقع؟
إن التجديد الذي يحتاجه السودان اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية ملحة. فالمجتمع الذي مزقته الحرب يحتاج إلى خطاب ديني يعيد ترميم الروح الوطنية، ويزرع في النفوس قيم التسامح والعدل والمسؤولية. كما يحتاج إلى علماء يملكون الجرأة الفكرية والاستقلال الأخلاقي، ليكونوا صوت الحق حين تضطرب المواقف وتختلط المصالح.
ولا يخفى أن التحديات التي تواجه البلاد تتجاوز حدود السياسة لتطال بنية المجتمع نفسه. فقد أفرزت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي مظاهر خطيرة: تصاعد خطاب الكراهية، تفكك بعض الروابط الاجتماعية، انتشار المخدرات بين الشباب، وتراجع منظومة القيم في كثير من البيئات. وهذه كلها قضايا لا يمكن أن تعالجها السياسات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى نهضة فكرية وأخلاقية تقودها المؤسسات الدينية.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق هيئة العلماء. فالتجديد المطلوب لا يعني التخلي عن الثوابت، بل يعني إعادة تقديمها بروح العصر، وبخطاب قادر على مخاطبة عقول الشباب وواقع المجتمع المتغير. كما يعني أن يتحول العلماء من مجرد مراقبين للأحداث إلى فاعلين في صياغة الوعي العام وبناء السلم الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم في لحظات أزماتها الكبرى هو غياب الصوت الأخلاقي الذي يذكرها بمعاني العدل والرحمة والمسؤولية. وإذا كان السياسيون ينشغلون بصراعات السلطة، فإن العلماء مطالبون بأن يظلوا صوت الحكمة الذي يسمو فوق الانقسامات.
السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى كلمة صادقة تعيد ترتيب الأولويات، وتذكر الناس بأن بناء الوطن مسؤولية مشتركة لا يمكن أن ينهض بها طرف واحد. ومن هنا فإن الدور المنتظر من هيئة علماء السودان يتجاوز حدود المؤسسة الدينية ليصبح جزءاً من مشروع وطني واسع لإعادة بناء المجتمع بعد سنوات من الاضطراب.
إن التاريخ لا يسأل العلماء فقط عما قالوه، بل يسألهم أيضاً عما سكتوا عنه. ولهذا تبدو اللحظة الراهنة اختباراً حقيقياً لدور العلماء في السودان:
هل تكسر هيئة علماء السودان صمت المرحلة، وتطلق مشروعاً حقيقياً للتجديد والإصلاح، أم يمر هذا المنعطف التاريخي بينما يبقى صوت العلماء خافتاً في زمن يحتاج فيه الوطن إلى أعلى درجات الحكمة والشجاعة؟
عرس المهن الصحية… الإنتصار على الحرب
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتثقل كاهل الدولة السودانية أعباء الحرب وإعادة البناء، تبرز بع…





