‫الرئيسية‬ مقالات إعلام مملكة الغبار – (2019 – 2026) 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

إعلام مملكة الغبار – (2019 – 2026) 

الشاذلي حامد المادح

في ظل الحرب لم يعد الإعلام مجرد مرآة تنقل الأحداث بل يتحول إلى ساحة معركة تشتبك فيها الجيوش الرقمية قبل الميدانية و في السياق السوداني لم تكن الحرب التي إندلعت في الخامس عشر من أبريل مجرد صراع عسكري تقليدي بل كانت لحظة الإنفجار الكبير لمشروع إختطاف الدولة الذي إتخذ من الإعلام فوهة بندقية موازية .

لقد أدركت مليشيا الدعم السريع منذ وقت مبكر أن الصعود من المحلية الضيقة كقوة عرضية في تخوم السودان إلى العالمية و الطموح السياسي لإنتزاع السلطة السيادية يتطلب ما هو أكثر من العتاد .. أدركت أنه يتطلب صناعة واقع بديل و من هنا بدأت المليشيا في بناء إمبراطورية دعائية ضخمة إستهدفت بالأساس إخفاء تركيبتها الهيكلية و تبييض سجلها المثقل بالإنتهاكات و تصوير طموحها الإنقلابي كحراكٍ من أجل الديمقراطية و الدولة المدنية .

ما نحن بصدده في هذا التقرير هو عملية تشريحية دقيقة لا تكتفي برصد مظهر ما يجري بل تنفذ إلى ما وراء الكواليس لتكشف كيف تحول (مطبخ دبي) و شركات كندا و الحناجر المستأجرة إلى ترسانة حربية متكاملة مهمتها الأساسية هي قتل الحقيقة قبل قتل الضحايا و تسويق الوهم كبديل لسيادة الدولة .

 

*النشأة .. من إدارة “مدلل” إلى سوق الذمم*

بدأت النواة الأولى لإعلام مليشيا الدعم السريع كإدارة مبسطة في الخرطوم و ما بعد التغيير في 2019م .. قامت على هيكل إداري تقليدي يضم أقساماً للرصد و النشر الإلكتروني و الإنتاج التلفزيوني مدعوماً بوحدة للمونتاج وكان يقف على رأس تلك الإدارة إدريس مدلل الذي رغم إفتقاره للمعرفة الأكاديمية و للخبرة المهنية إلا أنه العنصر المتاح و الموثوق لقيادة المليشيا في تلك المرحلة و مع تمدد نفوذ المليشيا إنتقل إعلامها من مرحلة التوثيق العادي إلى مرحلة ملاحقة المؤسسة العسكرية إعلامياً و فرض (ندية) معها حيث استحدثت المليشيا منصب الناطق الرسمي و صار لها ناطقا رسميا مثلما للجيش ناطق و بدأت تنشط بشكل واسع لإنتزاع إعتراف بكونها قوة نظامية موازية تمارس مهامها الكبيرة مثلما الجيش يمارس مهامه .

لم تكتفِ المليشيا بذلك بل إستعانت بخبراء روس تواجدوا في السودان وقتها .. إستعانوا بهم كخبراء إعلام و علاقات عامة و تولوا إدارة العمليات الإعلامية لمليشيا الدعم السريع من مركز للدراسات بالمنشية هو الأول للمليشيا في ظل تمددها و إنتفاخها .

و في سعيها للسيطرة على أدوات التأثير إشترت صحيفة (الصيحة) و بدأت حملة ممنهجة لإستقطاب الصحفيين و الناشطين – و قد فشلت في إستقطاب الصحفيين السودانيين إلا واحدا ، طلب مبلغا ضخما تفاجأ به حميدتي و عندما إستفسره ، برر ذلك بأن العمل مع الدعم السريع مكلف سياسيا و أخلاقيا مما أغضب حميدتي و جعله يصرف النظر عن خدمات هذا المقاول الصحفي و لكن المليشيا توسعت في توثيق صلاتها بالنخب السودانية و إنفتحت في أنشطة كثيفة و شراء الذمم لتصنع لنفسها زخم السلطة و السيادة و الشرعية المتوهمة و كذلك الندية مع جيش البلاد المفدى و صارت هي جيش كما الجيش جيش .

 

*مطبخ دبي.. عولمة التضليل الرقمي*

مع إنطلاق الرصاصة الأولى دشنت المليشيا معركة طموحة لنقل (البروباغندا) من النطاق المحلي إلى الفضاء العالمي و برزت غرفة العمليات المركزية في دبي كمركز عصبي يديره القوني حمدان دقلو ليتحول الإعلام في يده من منصة إخبارية إلى ساحة لـ (المشتريات الإستراتيجية) العابرة للقارات .

اعتمد هذا الصعود على تحالفات مع مختبرات دولية و مرتزقة رقميين وخبراء (تعدين بيانات) من عواصم عربية و غربية وتجاوز دور هؤلاء تحسين الصورة إلى صياغة هوية بصرية حديثة و هندسة (نقاط تحدث) مدروسة بدقة لمخاطبة المجتمع الدولي و تلقينها للمستشارين بأسلوب ممنهج و تعزز هذا الإختراق بامتلاك (سلاح الخوارزميات) عبر التعاقد مع شركات تكنولوجيا دولية متخصصة في إدارة (حقول البوتات) مما خلق واقعاً افتراضياً يهدف لخنق المحتوى الوطني و حجب الحقائق مقابل رفع وتيرة محتوى المليشيا وتلميعه تقنياً أمام الرأي العام العالمي عبر شبكة علاقات عامة ممولة بسخاء .

 

*شركاء الفظائع و الإنتهاكات*

بعد التحري الإستقصائي الدقيق في سجلات العقوبات الدولية (البريطانية و الأوروبية) و تقارير المنظمات الرقابية مثل (The Sentry والجارديان) تبيّن أن المليشيا لم تعتمد فقط على شركات علاقات عامة صريحة بل استخدمت شركات مسجلة في لندن و بروكسل كغطاء للتمويل و التجنيد و إدارة العمليات الإعلامية و فيما يلي نستعرض ما تحصلنا عليه من معلومات :

أولا : في بريطانيا (لندن) : قلب الشبكة المالية و التقنية حيث تُعد لندن المركز الأهم لشركات المليشيا التي تستخدمها لتمويه أنشطتها تحت مسمى “التجارة العامة” أو “الاستشارات” :

* شركة Zeuz Global : شركة مسجلة في لندن كشفت التحقيقات الأخيرة (2025-2026) أنها استُخدمت كغطاء لتجنيد مرتزقة و خبراء تقنيين و لها ارتباطات مباشرة بشبكات التمويل التي يديرها القوني دقلو .

* شركة GSK Advance Company Ltd : مسجلة في بريطانيا (خاضعة للعقوبات حالياً) و تُعتبر من أهم الخلايا النشطة التي كانت توفر الغطاء المالي لشراء معدات تقنية و إعلامية متطورة للمليشيا .

* شركة Tradive General Trading Co : رغم أنها تنشط في دبي إلا أن لها أذرعاً و تعاملات مسجلة في لندن عبر وسطاء و تُستخدم لتمرير أموال “غسيل السمعة” لعقود الصحفيين و المؤثرين .

* مكاتب الإستشارات في تاتنهام وألدويتش : رصدت تقارير استقصائية عناوين لشركات وهمية في “Tottenham” و”Aldwych” بلندن ، تُستخدم كعناوين مراسلة لتعاقدات مع خبراء إعلاميين دوليين (Lobbyists) .

ثانيا : في بلجيكا (بروكسل): مطبخ “التواصل الدولي” تُستخدم بروكسل كمنصة لإستهداف الإتحاد الأوروبي و المنظمات الدولية :

* مراكز دراسات وهمية (Think Tanks): تم رصد تمويل لكيانات مسجلة في بلجيكا تحت مسميات مثل (منصات دعم الديمقراطية في أفريقيا) و هي في الحقيقة واجهات إعلامية يديرها مستشارون مثل يوسف عزت (قبل إستبعاده) و خبراء علاقات عامة أوروبيون مهمتها كتابة تقارير (بيضاء) تبرئ المليشيا من تهم التطهير العرقي .

* شركات العلاقات العامة الأوروبية: إستعانت المليشيا بوكالات (PR) صغيرة في بروكسل متخصصة في (التواصل الرقمي الممنهج) مهمتها تنسيق لقاءات مع نواب في البرلمان الأوروبي و صناعة محتوى إعلامي بالفرنسية و الإنجليزية يروج لـ (تقدم) كحاضنة مدنية للمليشيا .

ثالثا : كندا : تمويل (غسيل الانتهاكات) : صفقة الـ 6 ملايين دولار : كشفت الوثائق عن تعاقد المليشيا عبر مستشارها يوسف عزت مع شركة العلاقات العامة الكندية (Dynamic Advisory) في مايو 2023 بقيمة بلغت 6 ملايين دولار أمريكي بهدف بناء (جدار دبلوماسي) يحمي المليشيا في عواصم القرار الغربية و تركزت مهمة الشركة في ممارسة ضغوط سياسية (Lobbying) داخل واشنطن و الإتحاد الأوروبي لتسويق المليشيا كـ (قوة ديمقراطية) تحارب النظام السابق و هي ذات (السردية المضللة) التي تبنتها قوى (تقدم) لاحقاً في جولاتها الخارجية و تم إستخدام هذا التمويل الضخم لفتح أبواب المنظمات الدولية أمام قادة المليشيا و صياغة تقارير سياسية بلغة احترافية تبرر التمرد و تغسل يده من الجرائم الميدانية مما يكشف عن حجم الإستثمار المالي الهائل في صناعة الوهم و تضليل المجتمع الدولي .

 

*المسارات السرية لتمويل الإعلام الخارجي ..*

يتم تمويل هذه الشركات عبر مسارين :

* عوائد الذهب : من شركة “الجنيد” التي تضخ الأموال عبر حسابات في دبي ثم إلى لندن و بروكسل كـ (استثمارات) أو (دفعات تجارية) .

* شركات الـ IT في كندا وأوروبا: تعاقدت المليشيا مع شركات مثل “Capital00” و فروع لشركات كندية متخصصة في “العمليات النفسية” (Psychological Operations) حيث يتم دفع مبالغ ضخمة تحت بند (تطوير أنظمة حماية معلوماتية) بينما الحقيقة هي تمويل حملات الـ (Bots) و الهجوم الإلكتروني على منصات الجيش السوداني .

 

*رحلة سكاي نيوز للفاشر .. تزييف الوقائع*

لم تكن الرحلة تغطيةً ميدانية بل عملية استخباراتية معقدة جرت بطائرة خاصة و تأمين استثنائي إلى الفاشر “المستباحة” و نفذها فريق عمل وُزع بعناية :

* فريق العمل : قادت المذيعة تسابيح مبارك الواجهة الإعلامية لتمرير شهادات مزيفة ترافقها الناشطة “شيراز” كموجه أمني و ميداني مع طاقم خلفي من خبراء العمليات النفسية لتلقين الضحايا (نقاط تحدث) تنفي الانتهاكات .

* أهداف الزيارة : هدفت الرحلة لصناعة (نفي جماعي) للاغتصاب و التطهير العرقي لضرب التقارير الدولية و استغلال (الرمزية النسوية) لإضفاء صبغة مدنية و ثورية على المليشيا و تسويقها كقوة نظامية توفر الأمن .

* تجهيزات المهمة : استُخدمت تقنيات تصوير متطورة مع (فلترة مكثفة) للواقع لإخفاء معالم الخراب و إخراج المادة كفيلم دعائي يغسل سمعة المليشيا و يضلل الرأي العام العالمي .

 

*غرف العمليات و شراكة التضليل*

تقوم العلاقة بين المليشيا وقوى (تقدم/قحت) على (تخادم عضوي) يتجاوز التنسيق السياسي إلى الإنصهار الكامل في صناعة المحتوى الموجه و تُدار هذه المعركة عبر غرف عمليات مشتركة في عواصم إقليمية تتركز مهامها في :

* نزع الصبغة الوطنية: إنتاج سردية موحدة تهدف لشيطنة القوات المسلحة عبر فرض مصطلحات بديلة مثل (طرفي الصراع) و (جيش الفلول) لتجريد الدولة من هيبتها القانونية .

* التدويل المضلل: فبركة سرديات حول استخدام (الأسلحة الكيميائية) أو الإنتهاكات المتبادلة لإرباك المجتمع الدولي وجره نحو التدخل تحت ذريعة حماية المدنيين .

* الشرعنة بلسان مدني : تهدف العمليات التضليلية في جوهرها إلى منح المليشيا (مشروعية سياسية) زائفة وتقديمها كطرف أصيل في أي تسوية مستقبلية بعيداً عن سجل جرائمها .

 

*مسارات تمويل الإعلام السوداني*

تعتمد الألة الإعلامية و السياسية للمليشيا على ثلاثة مسارات تمويلية رئيسية تضمن وصول المرتبات و الحوافز للإعلاميين السودانيين المنخرطين في إسناد المليشيا :

* مطبخ القوني : يُدار من مكاتب واجهة في نيروبي و كمبالا و أديس و القاهرة و تتولى دفع رواتب شهرية بالدولار لصحفيين و ناشطين مع التكفل بإقامة قيادات “تقدم” في الفنادق الفاخرة (مثل راديسون بلو نيروبي) .

* تُستخدم منظمات صورية و مراكز دراسات في أديس أبابا كجسر لنقل أموال المليشيا للسياسيين تحت ستار (ورش بناء السلام) و تكاليف السفر .

* الإسناد الاستخباراتي (Africa Intelligence): كشفت التقارير الفرنسية عن دعم إماراتي لوجستي مباشر لوفود (تقدم) يشمل توفير طائرات خاصة لجولاتهم الخارجية و ربط الصحفيين النازحين بواجهات تابعة للمليشيا في العواصم لضمان استمرار ضخ الرواية المضللة .

 

*تحليل الشراكة .. المال مقابل المشروعية*

يستهدف هذا التمويل و الربط الإعلامي غاية واحدة و هي الإعتراف السياسي عبر معادلة (تبادل منافع) وجودية :

* ثنائية القوة والواجهة: تملك المليشيا (القوة العسكرية) لكنها تفتقر للشرعية بينما تملك “تقدم” (الواجهة المدنية) و اللسان الدبلوماسي لكنها تفتقر للثقل الميداني .

* المقايضة الكبرى : تمويل المليشيا لـ “تقدم” هو عملية “شراء للمشروعية” و في المقابل فإن صمت “تقدم” عن الجرائم الميدانية هو (ثمن البقاء السياسي) مما يحول الطرفين إلى جسد واحد يتبادل الأدوار لإخفاء معالم اختطاف الدولة .

 

*حائط الصمود الوطني*

ختاما .. إن حجم الألة الإعلامية التي سُخرت لخدمة المليشيا لا يقل ضخامة عن العتاد و السلاح الذي وُضع بين يديها ، فقد أُنشئت إمبراطورية دعائية عابرة للحدود تذوب فيها الفوارق بين (بندقية المتمرد) و (لسان القوى المدنية) (تقدم و تأسيس) ليشكلوا جميعاً جسماً واحداً في معركة إستهداف الدولة. هذه الشراكة التي تدار بتمويل إقليمي و دولي سخي لم تكن مجرد حملات عابرة بل هي (صناعة تضليلية) كبرى تهدف لتزييف الحقائق عبر منصات و فضائيات و غرف عمليات متخصصة في الإغتيال المعنوي لمؤسساتنا الوطنية و رغم هذا الضخ الإعلامي الهائل و تعدد جبهات المؤامرة الإقليمية و الدولية إلا أن هذه الإمبراطورية الزائفة إصطدمت بحائط صلد من صمود المقاتل السوداني في الميدان و وعي المواطن الذي أدرك بحدسه الوطني أن من يدمر أرضه لا يمكن أن يبني مستقبله ليبقى التاريخ شاهداً على أن (أبواق الباطل) مهما علا ضجيجها تخرس أمام صرخة الحق و صمود الإرادة السودانية

‫شاهد أيضًا‬

إلى رئيس الوزراء :أوقفوا فوضى التخبط في التقويم والمناهج بالتعليم العام

لقد سبق وأن كتبت أكثر من مرة عن التخبط في تحديد المناهج الواجب تدريسها في المرحلة الثانوية…