المقاربة الأرشَد بين الاصطفاف والحياد في الصراع الإيراني الصهيوني
السفير/ رشاد فراج الطيب

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر أو المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني ، يُدفع الرأي العام في العالم العربي والإسلامي إلى ثنائية حادة ومبسطة : إما الاصطفاف الكامل مع إيران بوصفها الطرف الذي يواجه إسرائيل ، أو الاصطفاف في الضفة الأخرى بحجة رفض المشروع الإيراني وسياساته الإقليمية .
وبين هذين الخيارين يظهر أحيانًا طرح ثالث يدعو إلى الحياد التام ، وكأن الموقف الأقوم هو الوقوف على مسافة واحدة من الطرفين !
غير أن هذه المقاربات الثلاث وهي الاصطفاف المطلق ، أو العداء المطلق ، أو الحياد المطلق ، لا تعكس بدقة طبيعة الصراع ولا مصالح الأمة الحقيقية ، بل هي في كثير من الأحيان نتاج اختزال مخلّ للواقع وتعقيداته .
فهذا الصراع لا يمكن فهمه خارج سياقه الأوسع ؛ إذ يجري في قلب منطقة تمثل مركز العالم الإسلامي ومجال أمنه الحضاري ، حيث تقع فلسطين والقدس ، وتوجد مقدسات المسلمين ، وتتقاطع مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية .
ومن ثم فإن أي قراءة رشيدة للموقف يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة الأساسية : أن القضية المركزية للأمة ليست إيران ولا غيرها من القوى الإقليمية ، بل الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما يمثله من مشروع استيطاني توسعي مدعوم من قوى دولية كبرى .
ومن هذا المنطلق فإن الحياد الأخلاقي أو السياسي تجاه العدوان الصهيوني ليس خيارًا سليمًا ؛ لأن الصراع مع المشروع الصهيوني في جوهره صراع على الأرض والهوية والمقدسات .
والوقوف على الحياد في مثل هذا السياق قد يتحول عمليًا إلى ترك الساحة مفتوحة لمشروع الهيمنة والاحتلال .
كما أن تمني البعض الهزيمة لإيران واخراجها من معادلة الصراع تحت عنوان : اللهم اضرب الظالمين بالظالمين واخرجنا من بينهم سالمين ! ليس هو الموقف الأرشَد .
لكن في المقابل ، فإن الاصطفاف الكامل داخل أي محور إقليمي لا يقل خطورة ؛ لأن القوى الإقليمية بما فيها إيران وتركيا تتحرك وفق مصالحها واستراتيجياتها الخاصة ، وليس وفق أولويات الأمة ومصالحها بالضرورة .
وقد أثبتت تجارب المنطقة أن التحالفات التي تقوم على الاندماج في مشاريع الآخرين كثيرًا ما تنتهي إلى إضعاف الاستقلال السياسي للدول والمجتمعات .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر رشدًا وتوازنًا ، تقوم على التمييز بين الموقف المبدئي والموقف السياسي التكتيكي .
فالموقف المبدئي للأمة ينبغي أن يبقى واضحًا وثابتًا وهو رفض الاحتلال الصهيوني ومناهضته ، ودعم حق الشعب الفلسطيني في التحرر ، ومقاومة كل أشكال الهيمنة التي تستهدف المنطقة .
أما على المستوى السياسي العملي ، فإن الحكمة تقتضي التحرك بمرونة واستقلالية ، بحيث لا تتحول مواجهة العدو إلى بوابة للارتهان لمحاور أخرى .
وفي هذا الإطار يمكن فهم فكرة الاصطفاف التكتيكي المحدود ؛ أي الاستفادة من التوازنات الدولية والإقليمية بما يخدم قضية الأمة دون الوقوع في التبعية لأي مشروع .
وفي هذا السياق يثور سؤال مشروع : هل يُلام من وقف مع إيران في قتالها للصهاينة ؟
الجواب هو أن الحكم على مثل هذا الموقف يقتضي قدرًا من التمييز والدقة .
فمن حيث الأصل لا يُلام من وقف مع أي قوة تقاتل الاحتلال الصهيوني أو تواجه عدوانه ، ما دام هذا الموقف نابعًا من نصرة قضية عادلة هي قضية فلسطين ورفض الهيمنة والاحتلال .
فمقاومة المشروع الصهيوني ليست قضية تخص دولة بعينها ، بل قضية تتصل بأمن الأمة وهويتها ومقدساتها بل هي قضية ذات ابعاد سياسية وانسانية وحقوقية تهم كل أحرار العالم والبشرية .
غير أن هذا التأييد لا ينبغي أن يتحول إلى اصطفاف أعمى أو اندماج كامل في مشروع سياسي أوسع .
فالتأييد لموقف يصيب الحق في مواجهة الاحتلال لا يعني بالضرورة القبول بكل سياسات الطرف الذي قام به ، ولا يعني تبني رؤيته الإقليمية أو طموحاته الاستراتيجية او الخضوع لنفوذه واطماعه .
وبعبارة جامعة : يؤيَّد الحق حيثما كان، ويُرفض الباطل حيثما كان .
فمن وقف مع إيران في مواجهة عدوان صهيوني انطلاقًا من هذا الاعتبار ، باعتبارها دولة مسلمة تواجه مشروعًا احتلاليًا ، لا يُلام في أصل موقفه ، ما دام هذا الموقف لا يتحول إلى تبرير مطلق لسياساتها الأخرى ، ولا إلى تبعية سياسية أو فكرية لمشروعها الإقليمي أو لطموحات استعادة أمجاد إمبراطورية تاريخية تسعي لها .
والتاريخ السياسي للأمم مليء بمواقف تتقاطع فيها المصالح مرحليًا بين أطراف مختلفة في مواجهة خطر مشترك ، دون أن يعني ذلك اندماجها في مشروع واحد أو اتفاقها في كل شيء .
غير أن المعالجة الحقيقية لهذا الإشكال لا ينبغي أن تظل أسيرة إدارة الأزمات وردود الأفعال ، بل يجب أن تتجه إلى أفق أوسع يتمثل في بناء مشروع نهضوي استراتيجي جامع للأمة الإسلامية والعربية .
فالتحدي الأكبر الذي تواجهه المنطقة ليس فقط في صراعاتها البينية ، بل في غياب إطار حضاري وسياسي جامع يضم قواها الكبرى ويوجه طاقاتها نحو أهداف مشتركة .
إن الحاجة ماسة إلى محور حضاري واسع للأمة يتسع ويشمل محاورها الكبرى مثل إيران وتركيا والسعودية ومصر وغيرها ، ضمن إطار تعاون وتكامل يخدم المصالح الاستراتيجية العليا للعالم العربي و الإسلامي .
وفي ظل مثل هذا الإطار يمكن أن تتراجع النزعات التوسعية ذات الطابع القومي أو المذهبي أو العرقي او فرض النفوذ ، وتذوب تدريجيًا داخل مشروع أوسع يقوم على التعاون والتكامل لا على التنافس والصراع .
فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في تنوع القوى داخل العالم الإسلامي ، بل في غياب الرؤية الجامعة التي تجعل هذا التنوع مصدر قوة بدل أن يكون سببًا للصراع والاستنزاف .
وهنا يبرز سؤال جوهري : كيف يأمر الله تعالي الأمة بالوحدة والاصطفاف في مواجهة التحديات ، وهو يعلم بحكم سنن الاجتماع البشري أن المسلمين سيختلفون ويتفرقون إلى مذاهب ومدارس واجتهادات متعددة ؟
والجواب أن الله تعالي في القرآن الكريم لا ينفي وقوع الاختلاف ، بل يضع له الإطار الذي يمنع تحوله إلى صراع وتمزق .
فالتعدد في الاجتهادات والمذاهب ظاهرة طبيعية في حياة الأمم ، وقد عرفها التاريخ الإسلامي منذ مراحله الأولى ، لكنها لم تكن في أصلها سببًا لتمزيق الأمة أو إضعافها ، لأن الجامع الأكبر ظل قائمًا : وحدة العقيدة ، ووحدة المقصد ، ووحدة المصير .
ومن هنا نفهم أن المقصود بالأمر الإلهي بالوحدة ليس إلغاء التنوع أو الاختلاف ، وإنما تحويل هذا التنوع إلى قوة داخل إطار وحدة إيمانية وسياسية وحضارية .
ولهذا جاء القرآن يؤكد هذا المعنى في مواضع متعددة ، منها قوله تعالى :
﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾،
وقوله سبحانه :
﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص ﴾.
فهذه النصوص تشير إلى أن الأمة – رغم تنوعها – مطالبة بأن تقف في مواجهة التحديات الكبرى كالجسد الواحد والبنيان المتماسك .
وفي المقابل يحذر القرآن من النقيض الذي تقع فيه الأمم حين تتفرق ، كما في قوله تعالى :
﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ﴾.
ولهذا جاء التوجيه القرآني الحاسم :
﴿ واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ﴾.
فالاعتصام الجماعي بحبل الله يعني أن يكون الوحي والقيم الجامعة والمصالح الكبرى للأمة هي الإطار الذي تنتظم داخله الاختلافات ، لا أن تتحول هذه الاختلافات إلى حدود فاصلة تمزق وحدة الأمة وتفتح أبواب الفتنة .
ومن هذا المنظور يمكن فهم الحاجة الملحة اليوم إلى بناء مشروع حضاري جامع للأمة ، يتسع لتنوعها المذهبي والقومي ، ويجمع قواها الكبرى ضمن إطار تعاون استراتيجي يخدم مصالحها العليا .
والأفق الحضاري الذي ينبغي أن تتجه إليه الأمة لا يقف عند حدود التوازنات السياسية الآنية ، بل يمتد إلى رحاب الفكرة القرآنية الكبرى التي تؤسس لوحدة الأمة ورسالتها ، كما قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ .
إن استحضار هذا المعنى لا يعني القفز فوق تعقيدات الواقع السياسي ، ولكنه يضع البوصلة في اتجاهها الصحيح ، ويمنح الأمة أفقًا استراتيجيًا أوسع من مجرد الاصطفاف داخل محاور متصارعة .
ولهذا فإن المقاربة الأرشَد يمكن تلخيصها في ثلاث قواعد واضحة :
– ثبات الموقف المبدئي ضد الاحتلال الصهيوني .
– الحفاظ على استقلال القرار السياسي .
– والعمل في الأفق الأبعد لبناء مشروع جامع يعيد توجيه قوى الأمة نحو أهدافها الحضارية الكبرى.
فالأمم التي تحافظ على بوصلتها الأخلاقية دون أن تفقد حريتها السياسية ، وتسعى في الوقت نفسه إلى بناء مشروعها الحضاري الخاص ، هي وحدها القادرة على تحويل التحولات الدولية إلى فرص ، بدل أن تتحول هي نفسها إلى ساحة لصراعات الآخرين واطماعهم .
الحركة الإسلامية في السودان… مزاج شعبي لا يمكن حصاره
بعض الناس في السياسة يظنون أن التاريخ يمكن حذفه بقرار، وأن التيارات الفكرية يمكن إغلاقها ك…





