التعليم التقني: قاطرة الإعمار ورهان المستقبل
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لطالما بحّت الأصوات ونحن ننادي، من واقع خبرتنا الطويلة في ردهات العلم التقني والعمل التكنولوجي، بضرورة الالتفات الجاد والمسؤول نحو التعليم التقني والتقاني في السودان. ففي عالم اليوم، لم تعد الشهادات الأكاديمية النظرية وحدها كافية لبناء الأمم، بل أصبحت “المهارة” هي العملة الصعبة والمحرك الأساسي لنهضة الشعوب، خاصة في دول تمر بمرحلة مفصلية تتطلب سواعد فتية قادرة على تحويل الركام إلى صروح، والخطط الورقية إلى واقع ملموس.
تأتي التوجيهات الأخيرة بإعفاء طلاب التدريب المهني من رسوم امتحانات الدبلوم للعام 2026 كخطوة ليست فقط إنسانية أو اقتصادية، بل هي قرار استراتيجي بامتياز. ففي ظل الظروف القاسية التي أفرزتها الحرب، وتحملت الأسر السودانية عبئها الأكبر، كان من الممكن أن تتحول رسوم الامتحان إلى جدار عازل يحرم المئات من ولوج سوق العمل.
إن منح رقم جلوس لكل طالب دون استثناء، وتجاوز العقبات المادية، يبعث برسالة قوية مفادها أن الدولة بدأت تدرك أخيراً أن التمكين المهني هو الطريق الأقصر للتعافي الوطني. هذا القرار هو انحياز صريح لشبابنا الذين اختاروا مسار الحرفة والتقنية، وهو استثمار في “الرأسمال البشري” الذي سيتولى مهمة إعادة الإعمار.
السودان المقبل على مرحلة ما بعد الحرب يحتاج إلى جيوش من الفنيين، الكهربائيين، والميكانيكيين، وخبراء التقنية الرقمية، والمشرفين المعماريين. نحن أمام تحديات ضخمة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها حرب الكرامة وهذا يتطلب عمالة ماهرة تفهم لغة الآلة وتكنولوجيا البناء الحديثة، الى جانب استعادة الدورة الاقتصادية عبر دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد كلياً على خريجي المعاهد التقنية، وتوطين التكنولوجيا بدلاً من الاعتماد الكلي على الخبرات الأجنبية المكلفة.
في إطار هذا التوجه، لا بد من تفعيل التعاون الاستراتيجي مع جمهورية مصر العربية، التي تمتلك تجربة رائدة وملهمة في تطوير التعليم الفني والتقني وربطه بسوق العمل العالمي. إن الاستعانة بالخبرات المصرية في هذا المجال توفر لنا تحديث المناهج لتتواكب مع الثورة الصناعية الرابعة وتدريب المدربين لرفع كفاءة الكادر التعليمي في مراكز التدريب المهني السودانية، إلى جانب إتاحة الفرص للشهادات المشتركة، مما يفتح آفاق التوظيف الإقليمي للشباب السوداني.
مصر خطت خطوات واسعة في إنشاء الجامعات التكنولوجية المتخصصة، ونحن في السودان أحوج ما نكون لنقل هذه التجربة وتكييفها مع واقعنا المحلي لنضمن مخرجات تعليمية تلبي احتياجات الإعمار الفورية.
إن إعفاء الطلاب من الرسوم يجب أن يكون “البداية” وليس “النهاية”. يجب أن يتبع ذلك ثورة شاملة في نظرة المجتمع للتعليم التقني، وتوجيه الدعم المالي والتقني لتطوير الورش والمعامل. لقد ظللنا ننادي بهذا المسار لسنوات، واليوم يثبت الواقع أن التقانة هي الركيزة الأساسية التي سيقوم عليها سودان المستقبل.
فالعلم الذي لا يتبعه عمل مهني متقن، يظل حبيس الأوراق، أما المهارة فهي السلاح الذي سيهزم الفقر ويبني الوطن من جديد.
تفاصيل لقاء رئيس مجلس السيادة بالنائب العام
اطلع السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان على أداء النيابة…





