‫الرئيسية‬ مقالات أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) ​قلق الخروج
مقالات - ‫‫‫‏‫دقيقتان مضت‬

أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) ​قلق الخروج

رمضان محجوب

■ غادرنا رفيق الدرب الثالث، ذاك التاجر الدارفوري الذي قاسمنا وجع اللحظة؛ وضعناه أمام عتبة داره والليل قد أرخى سدوله وتجاوزت ساعته العاشرة، لنتجه بعدها إلى حيث يسكن القلم والوجع في “مربع 6” بإسكان الصحفيين. كان الوصول إلى منزلي، الذي شهد فصول الاعتقال والترهيب، بمثابة العودة من برزخ الموت إلى حياة محفوفة بالترقب، بينما مضى محمد عبد الله إلى بيته القريب يجر خلفه أذيال يوم سيظل ملتصق بذاكرته امد البقاء .

​■ لم تكد أقدامي تطأ عتبة الدار حتى ضج الفضاء بجموع المهنئين، واختلطت صيحات التهليل بدموع الفرح، يتقدمهم الوفي علي شريف وأسرته الكريمة، في مشهد إنساني مهيب يعيد للروح توازنها بعد انكسار القيد. ووسط تلك الحفاوة، كانت النفس تضطرب بمشاعر متناقضة، حيث امتزج فضل المحبين الصادقين بتوجس خيفة من غدر وشاة لبسوا لبوس المودة، واندسوا بين المهنئين بوجوه مستعارة مريبة.

​■ كنا نعلم بعض سوءهم ونعرف مكرهم، لكننا تجملنا بالصبر وتقبلنا احتفاءهم المصنوع بأدب جم، كي لا نشعرهم بأننا نبصر السم المدفون تحت شهد كلماتهم؛ فالحرب تفرز معادن الناس وتكشف زيف الادعاءات. وبعد تهنته، غمرنا علي شريف بمائدة عامرة كانت بمثابة تعويض سماوي عن جوع يوم كامل ورهق لا يوصف، لتكون تلك المائدة هي “شية” عيدنا الذي سُرقت أفراحه،فكانت الوحبة بديل استعواضي عن أضاحٍ غابت رائحتها.في ذاك اليوم المشهود

​■ كان ذاك العيد غريباً في طقوسه، فبدلاً من أن تعبق الأنوف برائحة شواء الأضاحي، كانت رائحة الموت والنتن تفوح من جيف المرتزقة الذين حصدتهم حمم الطيران الحربي، محولةً أجساد الغزاة إلى شواء من نوع آخر يليق بجرمهم.فقد أشرق فجر الأربعاء، أول أيام عيد الأضحى في الثامن والعشرين من يونيو 2023، حاملاً معه ذكريات عصية على النسيان، حيث كان يوماً لاختبار الأبوة في أقسى تجلياتها الصعبة.

​■ في ذاك المشهد القاتل، كدت أفقد نجلي عبد الخالق، وهو يقف على بُعد “ضغطة زناد” من وحش بشري جنجويدي لم يعرف قلبه الرحمة، ليظل ذاك المشهد جرحاً غائراً في وجداني امد ما بقيت حيا…. لم تكن الصدمة في فوهات البنادق فحسب، بل في غدر من كنا نحسبهم إخواناً نشاطرهم “العيش والملح ” ، فإذ بهم يتحولون إلى مخبرين يرفعون تقارير الغدر لاستخبارات المليشيا المجرمة دون وازع من ضمير.

​■زاد اعتقال الصديقين علي شريف ومحمد عبد الله بسببي من مرارة ذاك اليوم، وجعل الدواخل تشتعل بوجع مزدوج، حيث خاب الظن في بعض سمار البقالة الذين باعوا المروءة في سوق النخاسة الرخيص.

 

▪️ليلتها، جافى النوم جفوني، وبت أسترجع مشاهد اليوم العصيب بتركيز عالٍ، أفكك تفاصيل الاعتقال وأحلل نظرات الوشاة، محاولاً فهم ما حدث واستشراف ما سيأتي في ظل واقع بات فيه القتل مهنة.والوشاية بما ليس في الاخرين مصدر دخل لضعاف النفوس..!!

​■ تقلبتُ على فراشي طويلاً، أتظاهر بالنوم والسكينة حتى يغفو نجلي عبد الخالق الذي كان ينام بجانبي، وهو الذي نال منه التعب والذعر ما نال، وكادت رصاصات الغدر أن تخطف شبابه لولا ألطاف القادر. وحين ارتفع صوت المؤذن منادياً لفجر يوم جديد، كان قراري قد استقر وتجذر؛ فلا بد لفلذة كبدي أن يغادر “الصفوة” فوراً، ودون أي إبطاء يذكر مهما كلفنا ذلك من مشقة.

​■ كانت الأنباء تتواتر عن نية المليشيا افتتاح معسكرات للتجنيد القسري لشباب المنطقة، وخيارهم كان واحداً لا ثاني له: إما الانضمام لصفوف البغي للقتال ضد القوات المسلحة، أو التصفية الجسدية الفورية لكل من يرفض. كان الخطر يحدق بكل شاب، والمسؤولية تقع على عاتقي كأب لأدبر مخرجاً آمناً يحفظ لنجلي حياته بعيداً عن أتون محرقة المليشيا التي تلتهم شباب الوطن وتدمر مستقبلهم.

​■ كانت المعضلة تكمن في كيفية الخروج، فعبد الخالق لا يملك وثيقة تثبت هويته بعد أن ضاع رقمه الوطني ونُشلت بطاقته الجامعية في زحام المواصلات قبيل اندلاع الحرب بمدة. صار مجهول الهوية في نظر ارتكازات المليشيا ، مما يجعله صيداً سهلاً للاعتقال والاشتباه في كل نقطة تفتيش تنصبها المليشيا على الطرقات الموحشة التي تربط بين الأحياء والمدن، مما زاد من قلقي وتفكيري العميق.

​■ استقر تفكيري على مرافقته بنفسي إلى مدينة ود مدني، ومن ثم عودتي مفردا الي الصفوة مهما كلفني الأمر من مخاطر، لضمان سلامته وعبوره إلى بر الأمان بعيداً عن غابة الوحوش التي باتت تنهش في لحم الوطن.

▪️ أدينا فريضة الفجر في المسجد، وهناك التقينا برفاق الفجر الذين لم يصدقوا خروجي سالماً من قبضة أولئك الأوباش، فغمرونا بدعوات صادقة تنبع من قلوب مؤمنة بأن يحفظ الله السودان وأهله من شر الأوغاد.

​■ مع بزوغ شمس اليوم الثاني للعيد، تبدل المشهد تماماً أمام بقالتي وبيتي، فالمكان الذي كان يضج بالأصدقاء تحت ظلال “اللبخ والنيم” صار خالياً موحشاً يثير في النفس الريبة.

▪️ غاب جلهم خوفاً من عدوى “التهمة” التي التصقت بي، فقد سرى بين الناس أن صاحب البقالة معتقل بتهمة التجسس لصالح الجيش، وهي تهمة نتشرف بها ولا ننكرها، بل هي وسام فخر لكل وطني.

​■ وبحسرةٍ تمزق نياط القلب، وقفتُ أرنو إلى تلك “العريشة” اليتيمة وظلال الشجر التي كانت بالأمس القريب ملاذاً للسمر والضحكات الصافية؛ فإذا بها اليوم شاهدةٌ على وحشةِ الفقد وتشتت الخلّان.

▪️ انفرط عقد تلك اللمة الحميمية أمام البقالة والدار، واستبدل الأنس بخوفٍ يترصد الخطى، ليصبح فضاء البيت صامتاً إلا من هواجس الرحيل المر، وذكرى أصحابٍ باعدت بينهم وبيننا “أنواء” غدرٍ لم تكن في الحسبان.

 

 

نواصل

‫شاهد أيضًا‬

المسرح… من الفرجة إلى الفعل

يحتفل العالم في 27 مارس من كل عام باليوم العالمي للمسرح، حيث يُختار عادة شخصية مسرحية بارز…