‫الرئيسية‬ مقالات بين عصا موسى وقميص يوسف
مقالات - ‫‫‫‏‫دقيقة واحدة مضت‬

بين عصا موسى وقميص يوسف

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

يعيش المواطن السوداني اليوم في منطقة رمادية قاسية بين أسطورتين؛ لا هو بلغ بر الأمان، ولا هو غرق بالكامل. إنه شعب معلق بين انتظارين: انتظار *عصا موسى* التي تشق بحر الأزمات في لحظة، وانتظار *قميص يوسف* الذي يعيد البصر إلى عين الوطن بعد طول بكاء.

 

أما *عصا موسى*، فهي ذلك الحلم الجماعي بالخلاص الفوري. كلما اشتدت الحرب، وغلت الأسعار، وانقطع التيار، ارتفعت الأصوات في المجالس والأسواق: “لو جاء رجل قوي وحسمها في أسبوع!”، “لو تدخل العالم وأوقف هذا الجنون!”. إنها رغبة دفينة في معجزة تُغني عن التخطيط والبناء والمصالحة. عصا تضرب الأرض فتنفجر منها دولة، وتضرب البحر فينفلق إلى طريق آمن نحو المستقبل. لقد تعب الناس من الاحزاب المريضة سليلة النفاق والشقاق و الثورات المصنوعة و “المبادرات” و”الاتفاقات الإطارية” و”المراحل الانتقالية” التي لا تفضي إلى شيء غير الضياع . فصاروا ينتظرون موسى لا ليقودهم، بل ليضرب البحر نيابة عنهم.

 

وأما *قميص يوسف*، فهو ذلك الخبر الصغير الذي يتناقله الناس كالبشارة في زمن العتمة: هدنة إنسانية صمدت يومين، انخفاض طفيف في سعر الدولار، عودة بث إذاعي من مدينة نائية، طالب تخرج رغم القذائف، أم استقبلت ابنها العائد من الجبهة سالماً. هذا القميص لا ينهي الحرب ولا يملأ البطون، لكنه يقول ليعقوب السودان: “ابنك حي، فلا تفقد بصرك من البكاء”. إنه أمل صغير يتعلق به الناس كي لا يفقدوا الأمل او عقولھم . فالشعب الذي رأى إخوة يوسف يرمونه في جب النزاع، ثم يبيعونه في سوق المحاور، ثم يسجنونه في ظلمة التهميش هذا الشعب لا يزال يشم رائحة القميص في كل خبر يحمل شيئاً من الحياة.

 

والمأساة أن الانتظارين معاً صارا شكلاً من أشكال الحياة في السودان فأصبتا الوطن بالشلل. فالذين ينتظرون العصا كفّوا عن العمل، لأن المعجزة لا تحتاج تخطيطاً. والذين ينتظرون القميص رضوا بالفتات، لأن البشارة صارت بديلاً عن الحق. وبين هذا وذاك ضاعت المسؤولية وتداعت الأمصار .

 

إن موسى لم يشق البحر إلا بعد أن سار بقومه ليلاً، ويوسف لم يرسل قميصه إلا بعد أن صار عزيز مصر. أي أن المعجزة جاءت بعد سعي، والبشارة جاءت بعد تمكين. أما نحن، فننتظر العصا ونحن جلوس، ونطلب القميص ونحن بلا يوسف يرعاه.

 

وبحسب وجهة نظر “التحليق”، فإن السودان لن ينجو لا بعصا ولا بقميص ما لم يدرك أهله أن بينهما طريقاً ثالثاً: طريق العمل والعمل الطويل الشاق .

فمانيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

والأمم في سيرھا لاتراعي لساقط في الطريق، فطريق بناء مؤسسة لا تنتظر منقذاً، وطريق وطن لا يبيع أبناءه ثم يبكي عليهم ليغدو المستقبل ضربا من الخيال والخبال .

 

لقد صبر الشعب على الموت، وعلى الجوع، وعلى النزوح. لكنه لن يصبر طويلاً على الانتظار الأجوف. فإما أن نتحول من متفرجين إلى فاعلين، أو نظل معلقين بين عصا لا تأتي، وقميص لا يصل.

 

حفظ الله البلاد والعباد.

*جيش واحد شعب واحد.*

ودمتم سالمين، ولوطني سلام.

 

*الثلاثاء / 7أبريل / 2026*

‫شاهد أيضًا‬

البرهان : النيابة العامة إلتفاف على القانون..

لا أعلم وصمة عار علقت بالتجربة العدلية في السودان مثل الذي حدث من النيابة العامة أبان فترة…