بين الردع والتصعيد: لماذا تتردد أمريكا في مهاجمة إيران؟
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع في الشرق الأوسط، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على صناع القرار والمحللين على حد سواء: هل تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ ضربة عسكرية حاسمة ضد إيران، رغم التعقيدات الميدانية، ووجود تحالف غير معلن بين روسيا والصين يحدّ من حرية الحركة الأمريكية؟
تُعد الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر عالميًا، وتمتلك قدرات هجومية هائلة تشمل الضربات الدقيقة، والتفوق الجوي، والانتشار البحري الواسع. ومن الناحية النظرية، تستطيع توجيه ضربات موجعة للبنية التحتية العسكرية الإيرانية، خاصة في ما يتعلق بالمنشآت النووية، ومواقع الصواريخ، ومراكز القيادة. إلا أن الواقع الاستراتيجي أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد تفوق عسكري تقني.
إيران، على الجانب الآخر، لا تعتمد على مبدأ المواجهة التقليدية المباشرة، بل تبني استراتيجيتها على “الردع غير المتكافئ”. فهي تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وتضاريس معقدة من جبال وصحارى، تتيح لها إخفاء منشآتها الحيوية وتوزيع قدراتها العسكرية بشكل يصعب استهدافه بشكل شامل. كما أن ما يُعرف بـ”المدن العسكرية تحت الأرض” يعزز من قدرتها على الصمود، حيث يمكنها إدارة العمليات من أعماق محصنة بعيدًا عن الضربات الجوية التقليدية.
إضافة إلى ذلك، تعتمد إيران على شبكة إقليمية من الحلفاء والوكلاء، ما يجعل أي هجوم عليها بمثابة شرارة لتصعيد إقليمي واسع، قد يمتد إلى عدة جبهات في آنٍ واحد. هذا السيناريو لا يهدد فقط المصالح الأمريكية، بل يضع حلفاء واشنطن في المنطقة تحت ضغط مباشر، ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى حرب شاملة.
لكن العامل الأهم الذي يقيّد القرار الأمريكي يتمثل في البيئة الدولية. فكل من روسيا والصين، رغم عدم دخولهما في تحالف عسكري رسمي مع إيران، إلا أنهما تتبنيان مواقف رافضة للهيمنة الأمريكية الأحادية. هذا “التحالف غير المعلن” يتجلى في التنسيق السياسي داخل المؤسسات الدولية، والدعم الاقتصادي، وأحيانًا التعاون العسكري غير المباشر.
روسيا، بخبرتها في إدارة الصراعات المعقدة، تدرك أن أي ضربة أمريكية لإيران قد تخلّ بتوازنات إقليمية حساسة، وتؤثر على مصالحها الاستراتيجية، خاصة في مناطق النفوذ القريبة منها. أما الصين، فتنظر إلى إيران كشريك مهم في مبادرة “الحزام والطريق”، ومصدر حيوي للطاقة، ما يجعل استقرارها مسألة ذات أولوية اقتصادية.
هذا التلاقي في المصالح لا يعني بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يخلق بيئة ردع غير تقليدية، تُحسب فيها تكلفة التصعيد بشكل دقيق. فالولايات المتحدة، رغم قوتها، لا تستطيع تجاهل احتمال توسع الصراع ليشمل قوى كبرى، أو على الأقل أن يتحول إلى مواجهة غير مباشرة تستنزف مواردها على المدى الطويل.
ومن زاوية أخرى، تواجه واشنطن تحديًا داخليًا يتمثل في “إدارة التكلفة”. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بتأثيرها على الاقتصاد، والرأي العام، والاستقرار السياسي. أي حرب مع إيران قد تؤدي إلى اضطراب في أسواق الطاقة، خاصة إذا تأثر مضيق هرمز، وهو ما سينعكس على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه.
في المقابل، تمتلك إيران أدوات ضغط فعالة، مثل الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وتكتيكات “الإغراق النيراني” التي تهدف إلى إنهاك أنظمة الدفاع المتقدمة. هذه الأدوات لا تحقق نصرًا حاسمًا، لكنها ترفع كلفة المواجهة إلى مستويات غير مقبولة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربة عسكرية لإيران، لكنها غير قادرة على ضمان نتائجها الاستراتيجية. فالتفوق العسكري لا يعني الحسم، في ظل وجود عوامل معقدة تشمل الجغرافيا، والتحالفات، والتكلفة، واحتمالات التصعيد.
في النهاية، يبدو أن المشهد تحكمه معادلة “التوازن القلق”، حيث يمتلك كل طرف القدرة على إلحاق ضرر كبير بالآخر، دون أن يتمكن من تحقيق نصر نهائي. وبين الرغبة في الردع، والخشية من الانفجار الشامل، تبقى الخيارات العسكرية محكومة بسقف عالٍ من الحسابات الدقيقة، ما يجعل المواجهة الشاملة احتمالًا قائمًا، لكنه غير مرجح في المدى القريب.
صحفي يتلقى تهديدا بعد نشر معلومات عن تغييرات حكومية
تعرض الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد لتهديد مبطن من شخصية أمنية وتنفيذية رفيعة تشغل موقعاً مهم…




