ذاكرة رواندا ونذير السودان: متى تنتهي “وصمة العار”؟
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تمر علينا الذكرى الثانية والثلاثون للإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994 ضد التوتسي في رواندا، حاملةً معها ثقلاً أخلاقياً وإنسانياً لا يزداد مع مرور السنين إلا إلحاحاً. في مثل هذه الأيام من كل عام، تجدد الأمم المتحدة عبر رسائل أمينها العام والمفوض السامي لحقوق الإنسان التزام العالم بـ “التفكر”؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة وسط واقع دموي متكرر: هل يكفي التفكر بينما نرى ملامح المأساة ذاتها تُستنسخ في مناطق أخرى، وعلى رأسها السودان؟
في غضون 100 يوم فقط من عام 1994، أُبيد أكثر من مليون إنسان في رواندا. لم تكن مجرد جريمة قتل جماعي، بل كانت عملية “تجريد من الإنسانية” ممنهجة، حيث تحول الجار ضد جاره، والزميل ضد زميله، مدفوعين بخطاب كراهية إذاعي وتعبئة عرقية جعلت من قتل “الآخر” واجباً وطنياً.
الدرس الأقسى الذي تعلمناه من رواندا، كما أكد الأمين العام أنطونيو غوتيريش، هو أن “الإبادة لا تحدث بين عشية وضحاها”. هي نتاج بذور تُبذر في بيئة من الانقسام، وتُسقى بخطاب التحريض، وتنمو تحت ظلال الصمت الدولي. إن فشل المجتمع الدولي آنذاك في الاستجابة للتحذيرات المبكرة يظل “وصمة عار” تطارد الضمير العالمي، وهي الوصمة التي نخشى اليوم أن تلتصق بنا مجدداً ونحن نراقب المشهد السوداني.
اليوم، ونحن نحيي هذه الذكرى، يمر السودان بواحد من أصعب الفصول في تاريخه الحديث. إن المؤشرات التي حذر منها مفوض حقوق الإنسان فولكر تورك، من تمييز ممنهج وخطاب يجرد البشر من إنسانيتهم، نجدها تتجلى بوضوح في النزاع السوداني الحالي.
لا يمكننا الحديث عن منع الإبادة الجماعية دون النظر بجدية إلى ما يحدث في دارفور، وكردفان، ومناطق أخرى، حيث تبرز الهوية القبلية كأداة للقتل والتشريد. إن استهداف قبائل بعينها، أو النازحين الذين استوطنوا الأراضي السودانية بحثاً عن الأمان، يعيد إنتاج ذات النمط الرواندي القائم على “التطهير العرقي”. خطاب الكراهية الذي يملأ منصات التواصل الاجتماعي السودانية اليوم، والتقسيم الحاد بين “مواطن” و”وافد” أو بين عرقية وأخرى، هو ذاته “البارود” الذي أحرق رواندا قبل ثلاثة عقود.
إن منع تكرار مأساة رواندا في السودان يتطلب تحركاً يتجاوز حدود التنديد الدبلوماسي، ويتمثل في مسارات، ومنها ضرورة تجريم خطاب الكراهية، فيجب التعامل مع التحريض العنصري والقبلي في السودان كـ “جريمة حرب” قيد التنفيذ. إن الكلمة التي تُقال اليوم على فيسبوك أو في الإذاعات المحلية هي التي تضغط على الزناد غداً.
ضرورة تعزيز التماسك المجتمعي، وحماية النسيج الاجتماعي السوداني تبدأ من رفض تصنيف البشر على أساس قبلي أو جغرافي. السودان للسودانيين، والنازحون ضيوف يجب حمايتهم لا استهدافهم، بالاضافة الى المحاسبة والعدالة، كما أشار تورك، لا يمكن وقف الجرائم دون “تحقيقات ذات مصداقية وملاحقة الجناة”. إن شعور القتلة بالإفلات من العقاب هو المحرك الأساسي لاستمرار الانتهاكات.
تفعيل الإنذار المبكر، وعلى المجتمع الدولي ألا ينتظر حتى تمتلئ المقابر الجماعية ليعلن “قلقه”. المؤشرات في السودان الآن صاعقة، والتدخل لمنع الفظائع هو التزام قانوني بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
إن تكريم ضحايا رواندا لا يكون فقط عبر الوقوف دقيقة صمت، بل عبر كسر الصمت تجاه ما يحدث في السودان. إن الإنسانية وحدة لا تتجزأ، والدم الذي سُفك في كيغالي عام 1994 هو ذاته الدم الذي يُسفك في الجنينة والعاشر والدلنج اليوم.
ليكن هذا اليوم الدولي للتفكر فرصةً لليقظة؛ لندرك أن “أحلك فصول التاريخ” قد تعود لتكتب صفحاتها في السودان إذا لم نتحرك الآن. إن منع الإبادة الجماعية يبدأ برفض العنصرية في قلوبنا، وإسكات خطاب الكراهية في إعلامنا، والمطالبة بالعدالة لضحايانا قبل أن يتحول العالم كله مرة أخرى إلى شاهد عيان على مأساة كان يمكن منعها.
على خلفية مخالفات مهنية وقانونية وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة توقف قناة “سودانية 24”
أوقفت وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، اليوم، قناة “سودانية 24” على خل…





