وحدة السودان فوق الكراهية الحلقة الأولى: السودان عند المنعطف التاريخي
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

السودان يقف اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه الحديث، لحظة تتشابك فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتشكل لوحة معقدة من التحديات التي تهدد حاضر الوطن ومستقبله. إن ما يواجهه السودان ليس مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها بسهولة، بل هو منعطف تاريخي خطير يضع وحدة البلاد على المحك ويختبر قدرة أبنائه على الصمود والتكاتف في مواجهة العواصف. ولعل أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس فقط الأزمات الاقتصادية أو الصراعات السياسية، بل ذلك الخطاب المسموم الذي يتسلل إلى النفوس ويغذي الكراهية والجهوية والعنصرية، فيزرع بذور الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن الواحد ويجعلهم يتناحرون فيما بينهم بدل أن يتكاتفوا لمواجهة التحديات المشتركة.
إن خطاب الكراهية حين يستشري في المجتمع يصبح أخطر من أي أزمة اقتصادية أو سياسية، لأنه يضرب في عمق النسيج الاجتماعي ويهدم أسس التعايش السلمي ويقوض فكرة المواطنة الجامعة التي تقوم عليها الدول الحديثة. فحين يُنظر إلى المواطن لا باعتباره شريكاًفي الوطن بل باعتباره خصماً بسبب انتمائه القبلي أو الجهوي أو العرقي، فإن ذلك يفتح الباب واسعاً أمام الفتن الداخلية ويمنح القوى الخارجية فرصة للتدخل واستغلال الانقسامات لتحقيق مصالحها الضيقة على حساب السودان. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، إذ إن السودان إذا لم يتدارك نفسه ويواجه هذا الخطاب المسموم بكل قوة وحزم، فإنه مهدد بالانزلاق نحو هاوية الانقسام والتشرذم التي لا عودة منها.
لكن في المقابل، فإن السودان يمتلك من مقومات الوحدة ما يجعله قادراً على تجاوز هذه المحنة إذا ما أحسن أبناؤه استثمارها. فالتنوع الذي يزخر به السودان ليس لعنة كما يحاول البعض تصويره، بل هو مصدر قوة وغنى ثقافي واجتماعي يمكن أن يشكل أساساً لوطن متماسك يحتضن الجميع. إن تعدد الأعراق والقبائل والثقافات واللغات يجب أن يُنظر إليه باعتباره ثروة وطنية تعكس عمق التاريخ وثراء التجربة الإنسانية في السودان، لا باعتباره سبباً للفرقة والانقسام فالوطن الذي يتسع للجميع هو الوطن القادر على النهوض، أما الوطن الذي يُقصي بعض أبنائه أو يميز بينهم على أساس الهوية الضيقة فإنه محكوم عليه بالضعف والانهيار.
إن وحدة السودان لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الاعتراف بحق الجميع في المواطنةالمتساوية والعيش الكريم دون تمييز أو إقصاء. فالمواطنة هي العقد الاجتماعي الذي يجمع أبناء الوطن على كلمة سواء، وهي الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة. ومن هنا فإن أي خطاب يقوم على الكراهية أو العنصرية أو الجهوية هو في جوهره خطاب مضاد لفكرة الدولة ويشكل تهديداًمباشراً لوحدة السودان. لذلك فإن مواجهة هذا الخطاب يجب أن تكون أولوية وطنية قصوى، وأن تتضافر جهود الجميع من أجل بناء جدار منيع يحمي السودان من الانزلاق نحو هاوية الانقسام.
إن اللحظة الراهنة تستدعي أن نرتقي فوق الجراح والمرارات وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالسودان لا يحتمل المزيد من التشرذم، ولا يمكن أن ينهض إلا بوحدة أبنائه وتكاتفهم. إن الوطن لا يُبنى بالكراهية بل يُبنى بالمحبة والتسامح والعدل والمساواة، والسودان يستحق أن يكون وطناً موحداً قوياً يحتضن جميع أبنائه دون استثناء. ولن يتحقق ذلك إلا إذا اجتمع السودانيون على كلمة سواء ونبذوا كل ما يفرقهم وتمسكوا بكل ما يوحدهم.
إن السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستسلم لخطاب الكراهية والانقسام فينهار ويتفتت، وإما أن ينهض بوحدة أبنائه وتكاتفهم فيبني وطناً قوياً قادراً على مواجهة التحديات. وهذا الخيار الأخير هو ما يجب أن يسعى إليه الجميع، لأنه الخيار الوحيد الذي يضمن للسودان مستقبلاً أفضل ويحقق لأبنائه حلم العيش الكريم في وطن موحد يسوده العدل والمساواة.
meehad74@gmail.com
السودان بين هشاشة الانتقال وصراع الرؤى: لماذا تعثر المسار الديمقراطي؟
منذ استقلال السودان عام 1956، ظل المسار السياسي يتأرجح بين محاولات ديمقراطية قصيرة العمر و…





