‫الرئيسية‬ مقالات يوسف سراج حيث التقى الفرقاء والخصوم
مقالات - ‫‫‫‏‫45 دقيقة مضت‬

يوسف سراج حيث التقى الفرقاء والخصوم

اسماعيل شريف 

في رحيل الصحفي السوداني الراحل يوسف سراج، لا تبدو المأساة فقط في فقدان إنسان وإعلامي عرفه السودانيون بدماثة الخلق والمهنية، ولا في الرحيل المفجع الذي جمعه بزوجته في حادث مروري بأبوظبي، وإنما في ذلك الإجماع النادر الذي تشكل حوله من مختلف التيارات والمدارس الصحفية والسياسية السودانية، في لحظة تعاني فيها البلاد أعلى درجات التشظي والاستقطاب والانقسام.

لقد بدا مشهد النعي وكأنه استفتاء أخلاقي متأخر على قيمة الرجل. فوسط حرب قسمت المدن والناس والمواقف، ووسط معارك إعلامية تجاوزت أحياناً حدود المهنية إلى الخصومات الشخصية والتخوين، اجتمعت أقلام متباعدة، بل ومتنافرة أحياناً، على كلمة واحدة: أن يوسف سراج كان صحفياً محترماً، وإنساناً نبيلاً.

وهنا تكمن دلالة الرحيل.

 

الصحافة السودانية اليوم ليست مجرد مدارس مهنية مختلفة، بل انعكاس كامل لانقسام المجتمع والدولة. هناك صحفيون انحازوا للسلطة، وآخرون للمعارضة، وبعضهم اختار الاصطفاف مع أطراف الحرب، بينما حاول آخرون التمسك بمسافة مهنية وسط نيران الاستقطاب. ومع ذلك، فإن وفاة يوسف سراج أعادت إنتاج مساحة مشتركة نادرة، عنوانها الاحترام الإنساني والمهني.

 

بيانات النعي التي صدرت من جهات متباينة حملت معنى أعمق من مجرد التعزية. فقد نعاه اتحاد الصحفيين السودانيين بكلمات تشيد بمسيرته المهنية وأخلاقه الرفيعة، بينما صدر نعي مماثل من نقابة الصحفيين السودانيين، وهي الجهة التي تمثل تياراً مختلفاً ومعارضاً للاتحاد في كثير من القضايا التنظيمية والسياسية. وفي العادة، تعكس العلاقة بين الجسمين قدراً كبيراً من التوتر والخلاف، لكن الموت هذه المرة بدا وكأنه ألغى الحواجز كلها، وأعاد الجميع إلى القيمة الجوهرية للإنسان والمهنة.

 

أما صفحات كبار الصحفيين السودانيين، فقد تحولت إلى دفتر عزاء مفتوح. صحفيون من اتجاهات فكرية وسياسية متباينة كتبوا عن الرجل بذات اللغة تقريباً: المهنية، التواضع، الاحترام، والابتعاد عن الخصومات الرخيصة. بعضهم استعاد مواقف شخصية معه، وآخرون تحدثوا عن حضوره الهادئ في الوسط الصحفي، بينما ركز كثيرون على أخلاقه قبل إنتاجه المهني، وكأن الرسالة الجماعية تقول إن ما يبقى في النهاية ليس الضجيج، بل الأثر الإنساني.

وربما هنا تتجلى المفارقة المهمة ففي زمن أصبحت فيه الشهرة مرتبطة بالصخب والاستقطاب الحاد، جاء الإجماع على يوسف سراج ليؤكد أن الصحفي الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المتابعين أو حدة المواقف، وإنما بقدرته على الحفاظ على احترام الجميع، حتى المختلفين معه.

لقد كان الراحل ينتمي إلى جيل آمن بأن الصحافة ليست منصة للعداء الشخصي، بل مساحة للحقيقة والاختلاف المهذب. لذلك لم يكن غريباً أن يحظى بهذا القدر من التوافق بعد رحيله. فالأخلاق المهنية الحقيقية لا تُختبر أثناء النفوذ والسلطة والعلاقات، وإنما بعد الموت، حين تختفي المصالح تماماً، ولا يبقى سوى سيرة الإنسان.

إن هذا الإجماع النادر يقدم درساً بالغ الأهمية للوسط الصحفي السوداني. فمهما بلغت حدة الخلافات السياسية، تظل هناك قيم عليا يفترض أن تحكم المهنة احترام الإنسان، النزاهة، والابتعاد عن الكراهية والتجريح. كما يكشف أن المجتمع الصحفي السوداني، رغم انقساماته، لا يزال يحتفظ بقدر من الوعي الجمعي القادر على التمييز بين الخصومة المهنية والانحدار الأخلاقي.

وربما كان أكثر ما يلفت النظر في رحيل يوسف سراج، أن موته وحد السودانيين أكثر مما فعلت خطابات كثيرة عن الوحدة الوطنية. وهذه في حد ذاتها شهادة استثنائية لرجل لم يكن يبحث عن البطولة، لكنه حصل عليها بصمت، عبر سيرة نظيفة واحترام متبادل وأقلام لم تجد بعد رحيله سوى أن تنحني أمام ذكراه.

‫شاهد أيضًا‬

المليشيا تحتضر.. بين نزوات النهب والعنصرية والارتزاق،، سدت أمامها الافاق

يلاحظ المتابعون لمجريات لأحداث على أرض معركة العزة والكرامة مع الضربات الموجعة التي كان آخ…