أوركسترا الهويات الممزقة: كيف يعيد التنوع الثقافي صياغة الحياة من رحم الركام؟
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تأتي الأيام العالمية المخصصة للاحتفاء بالقيم الإنسانية المشتركة تارة كمرآة تعكس نضج البشرية، وتارة أخرى كصرخة احتجاج في وادٍ سحيق يملؤه دوي المدافع؛ واليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية ليس استثناءً من هذه الجدلية الوجودية. ففي الوقت الذي تصاغ فيه نظريات غربية متشائمة تدفع بالعالم نحو حتمية الصدام والقطيعة، وتصنف الحضارات في غيتوهات مغلقة تتبادل الريبة والعداء، يبقى الواقع الإنساني أكثر تركيباً وعمقاً من تلك التسطيحات الأيديولوجية. إن محاولة حصر الوجود البشري في ثماني حضارات مصمتة، قائمة على مرجعيات دينية أو جغرافية جامدة، هي قراءة قاصرة لا تخدم سوى مشاريع التفتيت الاستعماري الجديد أو شهوة الهيمنة السياسية. وبالمقابل، تبرز القراءات العقلانية والموضوعية التي تميز بذكاء بين “الحضارة” بوصفها منجزاً عقلياً ومادياً كونياً مشاعاً بين البشر جميعاً، وبين “الثقافة” التي تمثل الخصوصية، والهوية، والانتماء الروحي والاجتماعي. فالأديان والثقافات ليست قوالب إسمنتية صلبة، بل هي كائنات حية تتنفس وتتأثر بالواقع الحضاري المحيط بها، فتتهذب بقيم الإنسانية وتتجه نحو الاعتدال، ما لم تقع في فخ الاختطاف السياسي والتوظيف الحركي المؤدلج.
تتجلى المأساة الحقيقية للتنوع حينما تسقط الثقافات والخصوصيات الدينية والمذهبية في قبضة “السياسي المصلحي”، حيث تتحول الهوية من مصدر ثراء وجمال إلى سلاح دمار شامل. لقد دأبت القوى الإمبراطورية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على اللعب بالورقة الدينية والانتمائية كقطع شطرنج جيوستراتيجية؛ فاستخدمت تيارات بروتستانتية لمواجهة الكاثوليكية أو اليسار، ووظفت الحركات الأصولية المتطرفة لكسر شوكة خصومها التاريخيين، مثلما حركت النزعات الطائفية والمذهبية في الشرق الأوسط لهدم كيانات الدول الوطنية من الداخل وإشعال حرائق لا تنطفئ. إن هذا التلاعب النفعي لا يقتصر على الصعيد الدولي فحسب، بل يمتد إلى السياسات القطرية الداخلية حينما تتكئ السلطة على ثقافة الأغلبية لإقصاء وتهميش الأقليات، أو حينما تمنح أقليةً ما امتيازات أمنية وعسكرية تزرع بذور الغبن والاحتقان في نفوس بقية المكونات، لتنفجر هذه الضغائن فور حدوث أي اهتزاز في بنية الدولة المركزية، وتتحول الأوطان إلى مسارح حروب أهلية عبثية تقتات على الهويات الفرعية.
وعندما ننظر إلى المشهد المأساوي في السودان، نجد تجسيداً حياً ومرعباً لهذه التقاطعات المعقدة بين الثقافة والسياسة والحرب. إن السودان، هذا القطر المترامي الأطراف الذي يمثل قارة مصغرة بزخمها الإثني واللغوي والديني، يعيش اليوم محنة وجودية طاحنة كشفت عن الأثر الكارثي لغياب الإدارة الرشيدة للتنوع الثقافي. على مدى عقود طويلة، عانى هذا البلد من التوظيف السياسي الفج للتباينات الثقافية، حيث جرى استغلال الهويات الجهوية والقبلية في صراعات السلطة، بدلاً من استثمارها كعنصر قوة ووحدة. وحين تضعف الدولة المركزية وتغيب المؤسسات القائمة على المواطنة المتساوية، يرتد الأفراد غريزياً إلى انتماءاتهم الأولية الضيقة، وتتحول الجغرافيا الاجتماعية إلى خطوط تماس ملتهبة، مما يعمق نزيف الحرب الأهلية ويهدد بتفتيت ما تبقى من النسيج الاجتماعي والترابي للبلاد.
ومع ذلك، فإن هذا التنوع الثقافي السوداني ذاته، الذي جرى تسميمه وتوظيفه كوقود للمحرقة الحالية، هو الترياق الوحيد القادر على وقف نزيف الدم وفتح بوابات المستقبل. إن الدعوة إلى الحوار والتنمية وإعادة الإعمار في السودان لا يمكن أن تنطلق من منصة الإقصاء أو محاولة فرض لون ثقافي أحادي على مجتمع متعدد بطبيعته؛ بل يجب أن تبدأ بالقراءة “الإنسانوية” المعتبرة للتنوع كحالة جمالية طبيعية وشراكة اجتماعية مصيرية. وقف الحرب يتطلب شجاعة الاعتراف بالآخر المختلف داخل الوطن الواحد، وإدارة حوار وطني شامل لا يستثني أحداً، حوار يتجاوز المحاصصات السياسية الضيقة إلى التأسيس لعقد اجتماعي جديد يحترم الخصوصيات الثقافية ويدمجها في إطار هوية وطنية جامعة وعريضة تتسع للجميع.
إن إعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب بالسودان ليست مجرد عملية هندسية لبناء الجسور وتشييد المباني، بل هي عملية ثقافية وأخلاقية بالدرجة الأولى لإعادة بناء الإنسان وجسر الهوات النفسية والاجتماعية التي خلفتها خطابات الكراهية. التنمية المستدامة تتطلب استنفار الطاقات الإبداعية الكامنة في كافة المكونات الثقافية السودانية، من النيل إلى دارفور، ومن الشرق إلى كردفان، لتسهم كل ثقافة بمفرداتها، وفنونها، وقيم التكافل والتسامح المتجذرة في موروثها، في ورشة البناء الكبير. إن التنوع الثقافي، حين يُحمى بمظلة دولة القانون والمواطنة، يصبح المحرك الأساسي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، حيث يوفر بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار والإبداع. إن الاحتفاء باليوم العالمي للتنوع الثقافي يجب ألا يمر كطقس بروتوكولي عابر، بل كاستحقاق إنساني ملح يذكرنا بأن إطفاء الحروب وصناعة السلام الدائم في بؤر النزاع كالسودان، يمران حتماً عبر بوابة الحوار الإنساني الرفيع الذي يرى في الاختلاف ثراءً لا قتالاً، وفي التعددية تنميةً لا دماراً.
عندما تتحول الكلمة إلى فتنة الموقف الشرعي من الطعن في ولاة الأمر
طلعتُ على مقالٍ كتبه أخي الفاضل الدكتور حسن الهواري حول الألفاظ التي تُطلق على رئيس مجلس ا…





