يوسف سراج.. رحيل السند الصامت في زمن الضجيج
سيناريوهات إنصاف عبدالله

في قاعة وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بالخرطوم، لم يكن المشهد عزاءً بالمعنى المعتاد. كان استدعاءً لسيرة رجل طبع المكان بغيابه قبل حضوره.
الصحفيون اجتمعوا لتأبين الزميل يوسف سراج، لكنهم في الحقيقة كانوا يؤبنون انموذجاً نادراً في زمن صار فيه الصوت العالي أقرب للظهور من الالتزام الصامت.
واستطاع الزميل دكتور طارق عبدالله ان يصف شخصية الراحل باختصار دقيق عندما قال يوسف سراج كان قريباً من الجميع، لا يعرف الزعل ولا القطيعة. جملة تبدو بسيطة، لكن من عاش الوسط الصحفي يعرف كم هي ثقيلة. لأنها تصف رجلاً لم يدخل المهنة للمناكفة، ولا جعل من القلم سلاحاً شخصياً. عمل في صحف عريقة، وكان حضوره فيها حضور التزام ووفاء. حاضراً حين يُطلب، صامتاً حين يقتضي المقام. هذا التوازن بين الحضور والغياب هو ما يصنع المهني الحقيقي
ما ميّز سراج أنه لم يبحث عن ضجيج. دوره كان في السند الصامت للزملاء، في المواساة التي لا تُعلن، في التذكير بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة. التزامه المهني لم يهتز حتى في أيامه الأخيرة، وكأنه يريد أن يغادر وهو متمسك بآخر خيط يربطه بالقيم التي آمن بها احترام الكلمة، احترام الناس و احترام المهنة نفسها
رحيله جسداً لا يعني رحيله من الذاكرة. لأن الأثر الذي يتركه الصحفي لا يُقاس بعدد المقالات، بل بكم النفوس التي استراحت لكلمته، وكم الزملاء الذين وجدوا فيه سنداً دون أن يطلبوا. يوسف كان محبوباً، مهذباً، ملتزماً تجاه مهنته وأصدقائه. وهذه ثلاثية لا تجتمع كثيراً في زمن صارت فيه المهنة ساحة معارك صغيرة.
حفل التأبين اختتم بالترحم والدعاء، لكنه في الحقيقة كان رسالة مفتوحة لكل من يعمل في هذا الميدان المرهق. الرسالة تقول يمكن أن تكون صحفياً محترماً دون أن تخسر ود الناس. يمكن أن تكون ملتزماً دون أن تكون قاسياً. ويمكن أن ترحل ويبقى أثرك أطول من صوتك.
يوسف سراج رحل، لكنه ترك فراغاً من نوع خاص. فراغ لا يملأه صخب الأخبار العاجلة، ولا عناوين الصدام. يملأه فقط من يفهم أن الصحافة في جوهرها خدمة للناس أولاً، ثم مهنة ثانياً.
رحم الله يوسف سراج الذي كتب لزملائه أن يحفظوا سيرته كما حفظ هو سيرة الكلمة الطيبة
الى جنات الخلد ويجعل الجنة مثواك استاذنا وزميلنا يوسف سراج
الغرف المغلقة في نيروبي.. معركة العلمانية تربك هندسة التحالف الجديد للحرية والتغيير
كشفت مصادر وثيقة الصلة من داخل اجتماعات العاصمة الكينية “نيروبي” عن تصاعد غير …





