‫الرئيسية‬ مقالات مجذوب أونسة.. «أقدار يا نور عيني»
مقالات - ‫‫‫‏‫3 دقائق مضت‬

مجذوب أونسة.. «أقدار يا نور عيني»

رحمة عبدالمنعم

لم يكن مجذوب أونسة مجرد مطرب يعتلي المسرح ويغادره بعد انطفاء الأضواء، بل كان صوتاً سودانياً خالصاً حمل أفراح الناس وأحزانهم، وسكن وجدانهم لعقود طويلة، واليوم، يغيب الجسد إثر حادث مروري أليم على طريق الخرطوم – عطبرة، لكن الصوت الذي ملأ البيوت والطرقات والأسواق سيظل حاضراً، عصياً على الغياب.

كان واحداً من الأصوات التي عبرت بالأغنية السودانية من حدود المحلية إلى فضاء الانتشار الشعبي الواسع، وظل اسمه مقترناً بمرحلة زاهية من تاريخ الفن السوداني، صنع خلالها مكانته بصوت دافئ وأداء صادق اقترب من قلوب الناس دون تكلف.

كأن اغنية «أقدار»التي تغنى بها طويلاً كانت تكتب سطورها الأخيرة على مهل، وهو يردد: «أقدار يا نور عيني»، غير مدرك أن الأغنية التي صاحبت رحلته الفنية ستتحول إلى عنوان لحظة الوداع، وفي آخر ظهور له بمدينة أم درمان مساء الأحد في فعالية غنائية، ذرف الدموع وهو يناشد محبيه قائلاً: «ما تقلبوا علينا المواجع»، وكأن قلب الفنان كان يستشعر شيئاً من أسرار الرحيل التي لا يعلمها إلا الله.

ولم يكن أحد يتوقع أن الدموع التي انحدرت من عينيه في أم درمان ستكون آخر رسالة يبعث بها إلى جمهوره، بدا وكأنه يودع الأغنية والحياة معاً، تاركاً وراءه مشهداً مؤثراً سيبقى عالقاً في الذاكرة، وصورة لفنان كبير واجه لحظاته الأخيرة بالصدق ذاته الذي غنى به طوال عمره،وقد كان يردد:

صبر السنين الكان

حاضننو في الأعماق

كم بغروا منو الناس

بقى للعزول حراق

أكان خلاص مليتو

قلبي الحنين خليتو

مجبور أسامحك أنا

وأمسح دموع عيني

أنا ما بلومك إنت

وُلد مجذوب أونسة بمدينة شندي عام 1954، ونشأ حاملاً موهبة استثنائية فتحت له أبواب الإذاعة السودانية والتلفزيون القومي، ليصبح واحداً من أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية السودانية الحديثة،امتلك خامة صوتية دافئة وأسلوباً خاصاً جعله قريباً من الناس، فكان يغني للحب والحنين والوطن بلغة تصل إلى القلب دون استئذان.

من «حلم الصبا» إلى «إزيك إنتِ»، ومن «ما سلامك» إلى «آخر خبر»، ومن «صياد النجوم» إلى «مصابيح الكلام»، ظل أونسة يصنع ذاكرة فنية ممتدة عبر الأجيال،أما أغنيته الوطنية الخالدة «عزيز أنت يا وطني» فقد كانت إعلان حب دائم للسودان ورسالة وفاء لوطن ظل حاضراً في وجدانه كما ظل هو حاضراً في وجدان أبنائه.

لقد كان مجذوب أونسة ابن زمن الأغنية الجميلة، حين كانت أشرطة الكاسيت تتناقل بين الأيدي بشغف، وحين كان الجمهور ينتظر العمل الجديد كما ينتظر رسالة من حبيب بعيد،وفي تلك السنوات استطاع أن يفرض اسمه بين كبار الفنانين، مستنداً إلى موهبة حقيقية وحضور إنساني جعله فناناً محبوباً قبل أن يكون نجماً مشهوراً.

واليوم، يستعيد السودانيون كلماته التي غناها بحرقة صادقة:”يا الرحتو طولتو

وعلينا ما سألتو..يا الكنتو مني قراب..أنا وين ووين إنتو؟”،كأنها تُقال الآن على لسان جمهوره ومحبيه وهم يقفون أمام خبر الرحيل غير مصدقين، فقد طال الغياب هذه المرة، ولن تأتي بعده مكالمة أو موعد لحفل جديد أو أغنية تنتظر البث.

ولم يكن مجذوب أونسة يغني للحبيب وحده، بل كان يغني للإنسان بكل ما يحمله من شوق وحنين وعتاب، واليوم تبدو بعض كلماته وكأنها خرجت من أفواه محبيه وهم يودعونه إلى مثواه الأخير:

جينا بعد الفرقة نسأل

جينا نلقى محنة عندك

نحكي ليك عن ليل شقانا

وعن متاهات نجمو بعدك

نحنا سالمناك بطيبة

ياما بكى عيونا ردك

ليه زمان أديتنا ريدة

وجيت تاني سلبت ودك

وقلبنا الجرحت خاطرو

برضو ما قادر ملامك

وكأن هذه الكلمات التي تغنى بها يوماً أصبحت اليوم رسالة وفاء من جمهوره إليه، ورسالة حزن على فراق فنان ظل لسنوات طويلة جزءاً من تفاصيل الوجدان السوداني، يزرع الفرح في النفوس ويترك في القلوب أثراً لا تمحوه الأيام.

يرحل مجذوب أونسة، لكن الفن الحقيقي لا يموت،تبقى الأغنيات شاهدة على زمن من الجمال، وتبقى الذكريات الممتدة في دواخل الناس أقوى من الموت نفسه، فالفنانون الكبار لا يرحلون تماماً، إنهم ينتقلون من خشبة المسرح إلى ذاكرة الوطن، حيث لا تغيب أصواتهم ولا تنطفئ ألحانهم.

رحم الله الفنان الكبير مجذوب أونسة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان. لقد أسدل الستار على رحلة إنسان، لكنه لن يُسدل أبداً على صوت ظل يردد الحب والحنين، ويمنح السودانيين بعضاً من دفء الروح كلما ضاقت بهم الحياة،سلامٌ على مجذوب أونسة يوم وُلد، ويوم أبدع، ويوم رحل تاركاً خلفه إرثاً من النغم لا يشيخ، وذكرياتٍ ستظل تعبر الأجيال كما تعبر الأغنيات الجميلة الزمن.

‫شاهد أيضًا‬

دكتور جبريل ابراهيم رئيسا لمجلس الوزراء

ورؤيتنا تبدأ بحفل تسريح وتكريم الدكتور كامل ادريس ، علي انه خلال عام ابصر وباصر واجتهد واس…