قراءة في أزمة التحالفات الجديدة داخل المعسكر المدني الداعم للمليشيا
محجوب أبوالقاسم

نيروبي حين يتحول الحد الأدنى إلى ساحة انفجار سياسي
*نيروبي تكشف هشاشة التحالفات قبل ولادتها*
*صراع الهوية يعيد تفجير المعسكر المدني*
*المعسكر المدني يترنح بين الفوضى والتبعية*
لم تعد اجتماعات نيروبي مجرد لقاءات سياسية لتقريب وجهات النظر بين مكونات مدنية وحركات مسلحة بل تحولت إلى مرآة تعكس عمق الأزمة البنيوية التي تضرب المعسكر المناهض للحكومة في السودان. فالتسريبات المتداولة من داخل الغرف المغلقة تكشف أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول وثيقة سياسية أو تحالف جديد وإنما حول سؤال أكثر خطورة من يملك حق تعريف الدولة
المقبلة؟ ومن يحدد شكل السلطة وهوية المشروع السياسي القادم؟
اللافت في مشهد الجبهة المدنية أن القوى الراعية للمبادرة حاولت منذ البداية بناء تحالف يقوم على الحد الأدنى المشترك أي تجاوز القضايا الخلافية الكبرى مؤقتا لصالح التوافق على شعارات عامة مثل الدولة المدنية ووقف الحرب وإعادة الانتقال السياسي ،لكن التجربة أثبتت مرارا أن تأجيل الأسئلة الجوهرية لا يلغيها بل يؤجل انفجارها فقط.
ما يحدث داخل اجتماعات نيروبي هو انفجار مؤجل لصراعات قديمة ظلت كامنة داخل تحالفات قوى الحرية والتغيير منذ سقوط نظام البشير فهناك تيار يرى أن أي مشروع سياسي جديد يجب أن يؤسس بصورة صريحة لفصل الدين عن الدولة باعتبار ذلك ضمانة لمنع عودة الإسلاميين إلى السلطة، بينما تخشى قوى أخرى أن يؤدي رفع شعار العلمانية بصورة مباشرة إلى خسارة الحاضنة الاجتماعية التقليدية وإعادة إنتاج الاستقطاب الحاد داخل المجتمع السوداني.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الذي أبدته بعض الحركات المسلحة وعلى رأسها عبد الواحد محمد نور على تضمين العلمانية بصورة واضحة باعتبارها بالنسبة لهم قضية تأسيسية غير قابلة للمساومة ، وفي المقابل تبدو بعض القوى التقليدية أكثر ميلا إلى الصيغ الرمادية التي تحفظ التوازن السياسي دون الاصطدام المباشر بالشارع المحافظ.
لكن الأزمة الأعمق ليست في بند العلمانية وحده وإنما في طبيعة التحالف نفسه فالكثير من القوى المشاركة لا يجمعها مشروع سياسي موحد بقدر ما يجمعها موقف تكتيكي من الحرب ومن الإسلاميين. ولذلك تبدو محاولات بناء تحالف واسع على أساس الخصم المشترك أقرب إلى محاولة هندسة اصطفاف سياسي هش قابل للانفجار عند أول اختبار حقيقي.
كما أن الحديث المتزايد عن ضغوط دولية لتوجيه مخرجات الاجتماعات يكشف جانبا آخر من الأزمة إذ تشعر بعض الأطراف أن التحالف الجديد لا يصاغ بالكامل بإرادة سودانية خالصة وإنما وفق حسابات إقليمية ودولية تسعى لإنتاج جسم سياسي قادر على إدارة المرحلة المقبلة بما يتوافق مع مصالح الرعاة الخارجيين. وهذا ما يفسر تصاعد الاتهامات المتبادلة بالارتهان والتبعية داخل الجلسات.
إن الأزمة الحقيقية لهذه القوى لا تكمن فقط في خلافاتها الداخلية وإنما في فقدانها للغطاء الأخلاقي والسياسي بسبب توفير المظلة السياسية والإعلامية للمليشيا المتمردة والتماهي مع خطابها رغم ما ارتبط بالحرب من انتهاكات واسعة ودمار طال مؤسسات الدولة والمواطنين. فبدلا من الاصطفاف خلف مشروع وطني يوقف النزيف ويحافظ على وحدة السودان انخرطت هذه المجموعات في رهانات خارجية ومحاولات لإعادة تشكيل السلطة عبر بوابة الحرب والفوضى وهو ما جعل اجتماعات نيروبي تبدو للكثيرين محاولة لإعادة تدوير التحالفات المرتبطة بالأزمة نفسها لا البحث عن حل حقيقي لها، كما أن الإصرار على تبني خطاب إقصائي وتصنيف الخصوم السياسيين بالتزامن مع تجاهل الجرائم والانتهاكات المرتبطة بالمليشيا عزز الانطباع بأن هذه القوى باتت هي الأزمة نفسها لا طرفا يسعى لحل الازمة، الأمر الذي يفسر تصاعد الرفض الشعبي لها وتآكل قدرتها على تقديم نفسها كبديل وطني جامع.
سياسيا تبدو نيروبي وكأنها تعيد إنتاج أزمة الحرية والتغيير بصورة جديدة تحالف واسع متناقض أيديولوجيا تحكمه التوازنات أكثر مما تحكمه الرؤية المشتركة ولهذا فإن الفشل جانبها ليس فقط بسبب الخلافات الفكرية بل أيضا بسبب صراع النفوذ والمواقع داخل الكيان المرتقب.
وفي حال انتهت الاجتماعات ببيان سياسي ضعيف أو بتجميد المشروع بالكامل فإن ذلك سيبعث برسالة واضحة مفادها أن الأزمة لم تعد أزمة سلطة فقط بل أزمة مشروع وطني متكامل،أما إذا نجح الرعاة في فرض تسوية مؤقتة تبقي التحالف قائما فسيكون ذلك مجرد تأجيل لجولة صراع جديدة قد تنفجر لاحقا بصورة أكثر حدة.
في النهاية تكشف اجتماعات نيروبي حقيقة بالغة الأهمية أن إعادة تشكيل المشهد السياسي لن تتم عبر التحالفات الإسعافية أو الشعارات الفضفاضة وإنما عبر حسم الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والدولة والسلطة وهي الأسئلة التي ما تزال القوى السياسية عاجزة عن الاتفاق حولها حتى الآن.
اتحاد العمال يرفض مؤتمراً خارجياً لبحث مستقبل السودان ويرهن الشرعية بالتوافق
أعلن الاتحاد العام لنقابات عمال السودان رفضه القاطع للمؤتمر الخارجي المزمع عقده في يونيو …





