تصريح ترامب.. اعتراف بالموقف العُماني المشرِّف
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عماني - مهتم بالشأن السياسي الاقليمي

على مدى تاريخها تلقت سلطنة عُمان الكثير من الإشادات والإطراءات، لكني أتصور أنّ أبلغ إشادة هي تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لها الأربعاء الماضي، إذ صرح بالحرف: “ستتصرف سَلطنة عُمان كغيرها من الدول، وإلا فسنضطر إلى تفجيرها”. إن هذا التهديد في جوهره اعتراف بمكانة عُمان المتميزة؛ والرجل قال بوضوح إننا لسنا مثل الآخرين نؤمر فنطيع، وإن لم ننضم إلى قافلتهم فسوف نُستهدَف. هذه العبارة تكشف أنّ استقلالية الموقف العُماني تثير قلق واشنطن، وأنه موقف مشرف يستحق الإشادة.
كانت الرسالة واضحة بأنّ المطلوب من عُمان أن تنضم إلى قافلة المُطبِّعين، وأن تدخل في عداء مع إيران، لتتماشى مع سياسات دول أخرى في هذا المسار. ففي مجال التطبيع كان هناك تصريح للرئيس ترامب قبل فترة، أعلن فيه أنّ المفاوضات مع إيران تسير بشكل جيد، وعدّدَ أسماء قادة المنطقة الذين تواصل معهم، ليصل إلى الهدف وهو “ينبغي أن يكون إلزاميًّا على جميع هذه الدول، كحد أدنى، أن توقّع على اتفاقيات أبراهام”. “وإذا لم يفعلوا، فلا ينبغي أن يكونوا جزءًا من هذا الاتفاق، لأنّ ذلك يُظهر سوء نية”. اتسم تصريح ترامب ذلك بنبرة إذلال، فيها إملاءات وإخضاع بلغة فرض الأوامر، وكأنّ هؤلاء القادة مجرد تابعين. أما النقطة الثانية فهي دخول عُمان في عداء مع إيران، وهذا يتنافى تمامًا مع السياسة العُمانية التي تستمد ثوابتها من الجغرافيا والتاريخ، لا من ضغوط اللحظة؛ فأمريكا قوة طارئة في المنطقة، بينما عُمان وإيران موجودتان منذ آلاف السنين، وستبقيان لآلاف السنين، بحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط العميقة المشتركة.
ولا ينبغي أن يغفل عاقل أنّ تصريح الرئيس الأمريكي يفتقد لأيِّ مضمون حقيقي، لأنّ عُمان أعلنت منذ فترة التزامها بالمعاهدات الدولية، وأكدت أنها لن تشارك في فرض رسوم مرور على السفن في المضيق، وأعلن ذلك رسميًّا معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أمام أعضاء مجلس الشورى، لأنّ عُمان وقّعت على اتفاقيات دولية «تضمن عدم فرض أي رسوم» على السفن التي تعبر المضيق. وهذا يعني أنّ التهديد الأمريكي مبنيُّ على فرضية غير موجودة، ويكشف عن محاولة سياسية للضغط أكثر من كونه يستند إلى واقع. وربما يحتاج الرئيس ترامب إلى من يذكّره (إن لم يكن يعلم) بأنّ حماية المضيق عبر التاريخ كانت مسؤولية عُمانية إيرانية مشتركة، ومرّت هذه الحماية بسلام دون وقوع حوادث، ودون فرض أيِّ رسوم على عبور السفن، ممّا يعكس إدراكًا عميقًا من عُمان وإيران، لأهمية المضيق كمنفعة عامة للعالم كله. ثم إنّ من يغفل السبب الحقيقي وراء التوتر في المضيق يقع في خطأ جسيم؛ فالمضيق لم تغلقه إيران يومًا منذ أن وُجِد، رغم الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات، والحرب الأمريكية على أفغانستان، ثم على العراق. وكما هو معروف فإنّ السبب الحقيقي وراء إغلاقه هو العدوان الأمريكي الإسرائيلي السافر على إيران، ولولا ذلك العدوان، لما لجأت إيران إلى إغلاقه، وهي في حالة دفاع عن النفس. والغريب أنّ من تسبب في الأزمة يبرئ نفسه ويسارع في اتهام الآخرين. والناسُ عادةً كثيرًا ما يتحدثون عن النتيجة النهائية، ويغفلون عن السبب الجذري للمشكلة ومن المتسبب فيها.
الأدهى أنّ المتضرر الأكبر من هذه السياسات الأمريكية ليس إيران، بل دول العالم المستفيدة من المضيق مثل دول الخليج والصين والهند واليابان وكوريا، وكلها تحتفظ بعلاقات جيدة مع طهران، وتدرك أنّ استقرار المضيق مصلحة مشتركة. بمعنى آخر، واشنطن هي التي أضرت بالعالم بسبب الإغلاق، بينما إيران لم تكن يومًا السبب، ولستُ أدري هل دول المنطقة تعي ذلك؟!
وإذا عدنا إلى لغة التهديد نفسها، نجد أنها تكشف مأزقًا أمريكيًّا أكثر ممّا تكشف قوة؛ فالدولة التي تصف نفسها بالعظمى لا تظهر هنا إلا بوجه البلطجي ومنطق “الكاوبوي”، حيث تستبدل لغة القانون الدولي بلغة العصا الغليظة. والكاوبوي في الثقافة الأمريكية رمزٌ لشخص يفرض سلطته بالسلاح والتهديد، لا بالقانون أو الحوار، وهو ما يجعل وصف السياسة الأمريكية بهذا المنطق دقيقًا؛ إذ تستبدل لغة القانون الدولي بلغة القوة الغاشمة، وهذا بحد ذاته دليل على أنّ واشنطن مأزومة، وأنها تلجأ إلى التهديد لأنها عاجزة عن فرض رؤيتها عبر الحوار، وإذا ما خطوْتُ خطوات أكثر صراحة، سأقول: هي ليست إلا عصا غليظة بيد الكيان الصهيوني، وخاضت الحرب الأخيرة على إيران نيابة عن إسرائيل.
الجميل أنّ تصريح ترامب مرَّ على الحكومة العُمانية مرورًا عابرًا باردًا، فلم تُعره اهتمامًا يُذكر، لأنها تدرك أنه بلا مضمون، فيما كان المواطنون العمانيون مشغولين بأفراح العيد وتوزيع “العيدية” للأطفال، وبأفران “الشواء”. وفي المقابل، ظهرت أصواتٌ عربية كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تندد بالتصريح وتقف مع عُمان، معتبرةً أنّ استقلالية موقفها تستحق الاحترام والدفاع، فيما تناولت القنوات الأمريكية التصريح بالهزء والسخرية.
لقد اعتادت عُمان عبر تاريخها الحديث أن تتخذ مواقف متوازنة في أزمات الخليج، سواء في الحرب العراقية الإيرانية أو في حرب الخليج الثانية أو في احتلال العراق، أو في محاصرة قطر، أو في الحرب على اليمن، حيث حافظت على استقلال قرارها، ورفضت الانجرار وراء الاصطفافات، مؤكدةً أنّ دورها الطبيعي هو الوساطة لا العداء. لذا فإني أعتبر أنّ تهديد ترامب لم يكن إساءة بقدر ما كان مدحًا صريحًا ليس مبطنًا؛ فهو يريدنا أن نكون “مثل الآخرين وإلا….!”، وهذا ما يجعلني أرى أنّ التهديد – مهما بدا سخيفًا – هو في جوهره اعترافٌ بمكانة عُمان المستقلة، كما ذكرتُ في مستهل هذا المقال، وبقدرتها على أن تكون صوتًا مختلفًا. وإذا كان بعض الذم مدحًا، فإنّ تصريح ترامب يذكّرني بتصريح سابق أدلى به عبد الله القويز الأمين العام المساعد لمجلس التعاون للشؤون الاقتصادية السابق، عندما وجّه سهامه ليوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية السابق، في لقاء مع المذيع عبد الله المديفر، بأنه شخصٌ متعبٌ وصعبُ المراس، فقلتُ لبعض الأصدقاء حينها: “إنّ الرجل أراد أن يذم فمدح”.
وفي النهاية، لا تحتاج عُمان إلى أن ترفع شعارات أو أن تبرر موقفها؛ فالتاريخ والجغرافيا كفيلان بأن يحددا مسارها. والتهديدات لا تغيّر حقيقة أنّ استقلالية القرار العُماني هي ما يمنحها قيمتها، ويجعلها رقمًا صعبًا في المعادلة؛ فالموقف العُماني تشكّل عبر آلاف السنين، ولا يمكن تجاوزه أو محوه بتهديدات طارئة. وإذا كانت واشنطن تلجأ إلى منطق البلطجي والكاوبوي لتفرض رؤيتها، فإنّ عُمان تثبت أنّ القوة الحقيقية تكمن في الثبات على المبادئ، وفي إدراك أنّ الجغرافيا والتاريخ أطول عمرًا من أيِّ إدارة أمريكية.
حديث البرهان مع قادة الجيش
وجه السيد الرئيس البرهان رسائل مهمة جدا أثناء هذا العيد و لكن في تقديري أن أخطرها و أهمها …





