العلاقات السودانية الإريترية نموذج أفريقي ناجح للعلاقات الاستراتيجية المميزة بين بلدين..السفير أسامة عبد الباريء يبني الجسور بين الخرطوم وأسمرا
إسماعيل شريف

في عالم يموج بالاضطرابات والصراعات الإقليمية، تكتسب العلاقات بين الدول المتجاورة أهمية استثنائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة معقدة وحساسة مثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا السياق تبرز العلاقات السودانية الإريترية بوصفها واحدة من أكثر العلاقات تأثيراً في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما أيضاً بفعل التاريخ والمصالح المشتركة والتحديات المتشابكة التي تواجه البلدين.
السودان وإريتريا لا تجمعهما حدود مشتركة فحسب، بل تجمعهما أيضاً روابط إنسانية وثقافية واجتماعية ضاربة في القدم. فالمجتمعات على جانبي الحدود ظلت تتبادل التجارة والثقافة والمصاهرة والتواصل الاجتماعي لعقود طويلة، ما جعل العلاقة بين البلدين تتجاوز الأطر الرسمية إلى فضاءات أوسع من التفاعل الشعبي والإنساني.
ورغم ما شهدته العلاقات من مد وجزر خلال بعض المراحل، فإن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات واضحة على عودة الدفء والتقارب بين الخرطوم وأسمرا، مدفوعة بإدراك مشترك لحجم التحديات التي تواجه المنطقة، وبقناعة متزايدة بأن استقرار السودان وإريتريا يمثل ركيزة أساسية لاستقرار القرن الإفريقي بأكمله.
وتزداد أهمية هذه العلاقة إذا ما نظرنا إلى الموقع الاستراتيجي للبلدين على البحر الأحمر، ذلك الممر الحيوي الذي أصبح مسرحاً للتنافس الدولي والإقليمي. فالأمن في البحر الأحمر لم يعد قضية محلية تخص الدول المطلة عليه فقط، بل أصبح جزءاً من معادلات الأمن العالمي والتجارة الدولية والطاقة وحركة الملاحة البحرية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تعاون سوداني إريتري لا يمثل مجرد تقارب ثنائي، وإنما يشكل مساهمة مباشرة في تعزيز الأمن الإقليمي وحماية المصالح المشتركة لدول المنطقة. وقد أدركت القيادتان في الخرطوم وأسمرا هذه الحقيقة مبكراً، فعملتا على تعزيز التنسيق السياسي والأمني وتطوير آليات التشاور المستمر حيال القضايا الإقليمية المختلفة.
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، برزت إريتريا باعتبارها واحدة من الدول التي حافظت على موقف داعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. كما أظهرت حرصاً واضحاً على استقرار الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن انهيار السودان أو تفككه ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة بأسرها.
لقد نظرت أسمرا إلى الأزمة السودانية من زاوية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، باعتبار أن استقرار السودان يمثل جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي، وأن استمرار الحرب يشكل تهديداً للأمن الحدودي وللأوضاع الإنسانية والتنموية في المنطقة.
وفي ظل هذه التطورات، برز الدور المهم الذي اضطلع به السفير السوداني لدى إريتريا، أسامة أحمد عبدالباري، الذي نجح في تقديم نموذج للدبلوماسية النشطة خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.
فالرجل لم يكتفِ بأداء المهام البروتوكولية التقليدية، بل تحرك على أكثر من مسار لتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع دائرة التعاون بين البلدين. وقد اتسم أداؤه بالانفتاح والحيوية والقدرة على بناء جسور التواصل مع مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية في إريتريا.
خلال فترة عمله، شهدت العلاقات السودانية الإريترية زخماً ملحوظاً في مجالات التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي، كما برز اهتمام واضح بتطوير العلاقات الشعبية باعتبارها الضامن الحقيقي لاستدامة أي تقارب رسمي.
ولعل إحدى أهم ميزات تجربة السفير أسامة عبدالباري هي إدراكه لأهمية الدبلوماسية الشعبية إلى جانب الدبلوماسية الرسمية. فقد حرص على توثيق الصلات مع الجالية السودانية في إريتريا، ودعم الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والثقافية في البلدين.
كما لعب دوراً مهماً في التعريف بالفرص الاستثمارية والاقتصادية المتاحة في السودان، وتشجيع التواصل بين رجال الأعمال والفعاليات الاقتصادية، بما يسهم في تحويل العلاقات السياسية الجيدة إلى شراكات اقتصادية حقيقية تخدم مصالح الشعبين.
إن نجاح الدبلوماسية لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو اللقاءات الرسمية، بل يقاس أيضاً بقدرتها على بناء الثقة وتعزيز المصالح المشتركة وتهيئة المناخ المناسب للتعاون طويل الأمد. وهذه هي المهمة التي يبدو أن السفير أسامة عبدالباري نجح في أدائها بكفاءة خلال فترة عمله في أسمرا.
تقف العلاقات السودانية الإريترية اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مستفيدة من الإرث التاريخي المشترك والموقع الجغرافي الفريد والتحديات المتقاربة التي تواجه البلدين.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، يصبح تعزيز هذه العلاقة ضرورة استراتيجية أكثر منه خياراً سياسياً. كما تبرز أهمية استمرار الجهود الدبلوماسية التي تعمل على توسيع مساحات التفاهم والتنسيق والتعاون بين الخرطوم وأسمرا.
فالعلاقات بين السودان وإريتريا ليست مجرد علاقة بين دولتين جارتين، بل هي شراكة بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. وكلما تعززت هذه الشراكة، ازدادت فرص الأمن والاستقرار والتنمية في منطقة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى جسور التعاون بدلاً من متاريس الصراع.
وفي هذا المشهد، يظل الدور الذي يؤديه السفير أسامة عبدالباري مثالاً للدبلوماسية التي تدرك أن بناء العلاقات بين الدول يبدأ أولاً ببناء الثقة بين الشعوب.
الكلاب الضالة في كل مكان
حادثة العضوية والتي كانت أبطالها كلاب ضالة يجب أن. تضعها السلطات الصحية والشرطة نصب أعينها…





