السودان يعود إلى قلب المشهد الإقليمي.. تعاقب سفراء دول الجوار يؤكد اقتراب مرحلة التعافي واستعادة الدور الوطني
حديث الساعة إلهام سالم منصور

في عالم السياسة لا تُقرأ الأحداث من ظاهرها فقط، بل تُفهم من خلال الرسائل التي تحملها التحركات الدبلوماسية ومواقف الدول تجاه بعضها البعض. ومن هذا المنطلق فإن تعاقب سفراء دول الجوار على السودان وتزايد الحراك الدبلوماسي في هذه المرحلة يحمل دلالات مهمة تؤكد أن السودان ما زال يمثل دولة محورية لا يمكن تجاوزها في معادلات الإقليم، وأن مؤشرات التعافي بدأت تفرض نفسها على المشهد السياسي بصورة متسارعة.
لقد مر السودان خلال الفترة الماضية بظروف استثنائية ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الدولة السودانية ظلت صامدة بفضل مؤسساتها الوطنية وإرادة شعبها وتمسكه بوحدة البلاد وسيادتها. واليوم بدأت ملامح مرحلة جديدة تلوح في الأفق، مرحلة عنوانها استعادة الاستقرار وعودة السودان إلى موقعه الطبيعي في محيطه العربي والأفريقي.
إن اهتمام دول الجوار بالسودان ليس أمراً عابراً أو مجاملة دبلوماسية، بل هو اعتراف عملي بأهمية السودان الجيوسياسية والاستراتيجية. فالسودان يمثل بوابة مهمة بين العالم العربي وأفريقيا، ويملك حدوداً واسعة تربطه بعدد من الدول، كما يشكل استقراره ركناً أساسياً من أركان الأمن الإقليمي والتنمية المشتركة.
ومن هنا فإن تكثيف الزيارات واللقاءات الدبلوماسية وتبادل الرسائل الإيجابية بين السودان ودول الجوار يعكس قناعة متزايدة بأن البلاد تتجه نحو تجاوز المرحلة الصعبة، وأن فرص الاستقرار أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. كما أن هذه التحركات تؤكد أن المجتمع الإقليمي ينظر إلى السودان باعتباره شريكاً أساسياً في صناعة الأمن والاستقرار بالمنطقة.
ولعل من أبرز الرسائل التي يمكن قراءتها من هذا الحراك أن السودان لم يفقد مكانته رغم التحديات، بل ظل حاضراً في حسابات الدول الكبرى والإقليمية. فالدول لا تستثمر علاقاتها السياسية والدبلوماسية إلا مع الدول التي ترى فيها مستقبلاً وفرصاً للتعاون والشراكة، وهو ما يؤكد حجم الثقة المتنامية في قدرة السودان على استعادة عافيته.
كما أن عودة النشاط الدبلوماسي تمثل مؤشراً مهماً على قرب عودة النشاط الاقتصادي والاستثماري. فالمستثمر يبحث دائماً عن بيئة مستقرة، والدبلوماسية غالباً ما تسبق الاقتصاد وتمهد له الطريق. ولذلك فإن تنامي العلاقات الخارجية يمكن أن يفتح آفاقاً واسعة أمام السودان للاستفادة من موارده الضخمة وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج والتنمية في مختلف القطاعات.
ويمتلك السودان من المقومات ما يجعله مؤهلاً لقيادة مرحلة التعافي بنجاح؛ فهو بلد غني بالأراضي الزراعية والموارد المعدنية والثروة الحيوانية والموقع الاستراتيجي الفريد. وما يحتاجه اليوم هو استكمال جهود الاستقرار وتوحيد الإرادة الوطنية وتوجيه الطاقات نحو البناء والإعمار بدلاً من الانشغال بالخلافات والصراعات.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع استشعار المسؤولية الوطنية، لأن بناء السودان ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو واجب تشارك فيه القوى السياسية والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والشباب والمرأة وكل أبناء الوطن. فالتعافي الحقيقي يبدأ عندما تتحول روح التفاؤل إلى عمل وإنتاج ومبادرات تدفع عجلة التنمية إلى الأمام.
وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على وحدة الصف الوطني يمثل الضمانة الأساسية لنجاح أي مشروع للتعافي. فالسودان وطن يسع الجميع، وتاريخه الطويل يؤكد أن قوته كانت دائماً في تنوعه وتماسك نسيجه الاجتماعي وقدرته على تجاوز الأزمات بروح وطنية عالية.
إن تعاقب سفراء دول الجوار وتزايد الاهتمام الإقليمي بالسودان ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل هو مؤشر سياسي مهم يحمل رسائل ثقة في المستقبل، ويعكس قناعة متنامية بأن السودان يتجه نحو استعادة مكانته ودوره المحوري في المنطقة.
ويبقى الأمل كبيراً في أن تتحول هذه المؤشرات إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين أمناً واستقراراً وخدمات وفرص عمل وتنمية شاملة، ليبدأ السودان صفحة جديدة من تاريخه عنوانها السلام والبناء والنهضة الوطنية.
السودان اليوم لا يبحث عن العودة فحسب، بل يستعد لاستعادة مكانته التي يستحقها بين الأمم، مستنداً إلى شعب عظيم، وجيش وطني، وإرث حضاري عريق، وثقة متزايدة من محيطه الإقليمي بأن فجر التعافي قد اقترب، وأن الغد يحمل للوطن بشائر أفضل بإذن الله.
الاحد ٧يونيو٢٠٢٦
بين وهم التمثيل وغياب الشرعية الشعبية: كيف اختطفت النخب المتصارعة صوت السودان؟
في خضم واحدة من أسوأ الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخ السودان الحديث، لا تزال بعض القو…





