‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين أنقاض الثقة وأمل النهوض.. هل نملك شجاعة الاعتذار للوطن؟
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

السودان بين أنقاض الثقة وأمل النهوض.. هل نملك شجاعة الاعتذار للوطن؟

حديث الساعة  الهام سالم منصور

منذ سنوات طويلة والسودان يدفع فاتورة باهظة لأزمة ظلت تتجدد بأشكال مختلفة، وهي أزمة الثقة بين مكونات المجتمع والقوى السياسية والنخب الوطنية. هذه الأزمة لم تعد مجرد خلافات عابرة أو تباينات في وجهات النظر، بل تحولت إلى جدار سميك يقف في وجه كل مبادرة للحل وكل مشروع لبناء الدولة واستعادة الاستقرار.

فالوطن اليوم يئن تحت وطأة الأزمات، والمواطن السوداني يعيش بين مطرقة الظروف الاقتصادية القاسية وسندان حالة الاستقطاب التي أرهقت الجميع. وبينما تتعاقب المبادرات واللقاءات والمؤتمرات، يبقى السؤال قائماً: لماذا لا نصل إلى نقطة التوافق؟ ولماذا تتعثر كل خطوة نحو الاستقرار؟

الإجابة تكمن في أن الثقة أصبحت عملة نادرة في الحياة السياسية والاجتماعية السودانية. فكل طرف ينظر إلى الآخر بعين الريبة والشك، وكل مبادرة تواجه بسيل من التخوين والتشكيك، حتى أصبح الاتفاق أصعب من الخلاف، وأصبحت الخصومة السياسية تتجاوز حدود المنافسة المشروعة إلى معارك تستنزف الوطن وتضعف تماسكه.

لقد دفع المواطن السوداني ثمن هذه الحالة من عمره وأمنه واستقراره. فبينما ينشغل الساسة بصراعاتهم، ينشغل المواطن بالبحث عن لقمة العيش والعلاج والتعليم والأمان. وبينما تتصارع المشاريع والرؤى، يظل المواطن ينتظر دولة قوية تحميه وتوفر له أبسط مقومات الحياة الكريمة.

وفي خضم هذا المشهد المعقد نتذكر قول الشاعر:

“نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا”

فكم من مرة حملنا الظروف مسؤولية ما وصلنا إليه، بينما الحقيقة أن كثيراً من الأزمات صنعتها أيدينا. فالأنانية السياسية، وخطاب الكراهية، والجهوية، والقبلية، والإقصاء، كلها عوامل ساهمت في تعميق الجراح وإضعاف الدولة وإهدار فرص كثيرة كان يمكن أن تغير وجه السودان.

إن أخطر ما أصاب السودان ليس الحرب وحدها، بل انهيار الثقة بين أبناء الوطن الواحد. فعندما يفقد الناس الثقة في بعضهم البعض تتراجع قيم التعايش والتسامح، ويصبح الحوار مستحيلاً، وتتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات تهدد وحدة المجتمع والدولة معاً.

ومع ذلك فإن الأمل لا يزال قائماً. فالسودان بلد عظيم بتاريخه وشعبه وموارده، وقد أثبت السودانيون عبر محطات كثيرة أنهم قادرون على تجاوز المحن عندما تتقدم المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة. واليوم نحن بحاجة إلى مشروع وطني جديد يقوم على المصارحة والمصالحة، لا على الانتقام وتصفية الحسابات.

نحتاج إلى مراجعة شجاعة تعترف بالأخطاء وتستفيد من الدروس. نحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني الجسور بدلاً من المتاريس. نحتاج إلى أن يدرك الجميع أن الوطن ليس ملكاً لحزب أو جماعة أو قبيلة، بل هو وطن يتسع للجميع، ولا يمكن أن ينهض إلا بمشاركة الجميع.

إن بناء الثقة يبدأ من احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن التخوين، والالتزام بالحوار، وترسيخ قيم العدالة والمواطنة. فالأوطان لا تبنى بالقوة وحدها، وإنما تبنى بالثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمجتمع، وبين أبناء الوطن الواحد.

واليوم، والسودان يقف عند مفترق طرق تاريخي، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع؛ حكومةً وقوى سياسية وإدارات أهلية ومثقفين وإعلاميين وشباباً ونساءً. فكل تأخير في معالجة جذور الأزمة يعني مزيداً من المعاناة للمواطن ومزيداً من الخسائر للوطن.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات، بل يحتاج إلى رجال دولة يقدمون الحكمة على المكاسب، والوطن على المصالح، والمستقبل على الحسابات الضيقة. يحتاج إلى إرادة وطنية صادقة تعيد اللحمة الاجتماعية وتطوي صفحات الألم وتفتح أبواب الأمل.

وفي نهاية المطاف، لا يسعنا إلا أن نقول:

عذراً يا وطني إن أثقلناك بالخلافات.

عذراً يا وطني إن خذلتك بعض النخب وتنازعت على حسابك المصالح.

عذراً يا وطني إن تأخرنا في إدراك أن قوتك في وحدتنا، وأن نجاتك في تماسكنا.

لكننا رغم كل شيء ما زلنا نحبك، وما زلنا نؤمن أن فجر التعافي قريب، وأن السودان سيخرج من هذه المحنة أكثر قوة وصلابة، لأن الشعوب العظيمة قد تتعثر لكنها لا تسقط، ولأن الوطن الذي أنجب هذا الشعب الكريم قادر على أن ينهض من جديد.

حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وجعل وحدته فوق كل اعتبار، وألهم أبناءه الحكمة ليكتبوا معاً فصلاً جديداً من الاستقرار والبناء والسلام.

الخميس ١١يونيو ٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

القائم بالأعمال السوداني بنيوزيلندا يبحث تعزيز الدعم الإنساني 

بحث السيد أحمد صلاح بيومي، القائم بالأعمال بالإنابة بسفارة جمهورية السودان لدى أستراليا ون…