السودان…في مواجهة الجيوش الثلاثة
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكون فيها الأزمة في سعر العملة…
بل في سعر الأمل.
ولا يكون الانهيار في الأسواق…
بل في قدرة الناس على تخيل الغد.
والسودان اليوم لا يقف أمام أزمة اقتصادية بالمعنى التقليدي.
بل أمام معركة أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا:
معركة على الوعي.
معركة لا تُقصف فيها المدن…
بل تُقصف فيها التوقعات.
ولا تُحتل فيها الأرض…
بل تُحتل فيها النفوس.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس جيشًا يُرى…
بل ثلاثة جيوش لا تظهر في نشرات الأخبار:
جيش الخوف.
وجيش الإشاعة.
وجيش انهيار التوقعات.
هذه الجيوش لا تحتاج إلى ذخيرة.
لأن المواطن نفسه يتحول – دون أن يشعر – إلى وسيلة نقل للهزيمة.
الجيش الأول: الخوف… حين يصبح الشعب بنكًا للذعر
في الأزمات الكبرى لا يسأل الناس:
كيف نبني؟
بل يسألون:
كيف ننجو؟
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.
حين يتحول المجتمع كله إلى غرفة انتظار.
التاجر لا يسعّر السلعة…
بل يسعّر خوفه.
والموظف لا يقبض راتبه…
بل يقبض احتمال فقدانه.
والأسرة لا تشتري احتياجها…
بل تشتري قلقها.
ثم تحدث المفارقة المرعبة:
كل فرد يعتقد أنه يحمي نفسه…
لكن الجميع معًا يصنعون الأزمة التي يخافون منها.
وهكذا لا يعود السوق محكومًا بالعرض والطلب…
بل بالخوف والتوقع.
وفي تلك اللحظة…
لا يسقط الجنيه وحده.
يسقط معه الإحساس بالأمان.
الجيش الثاني: الإشاعة… وزارة الحقيقة الموازية
في الدول المستقرة تُكذّب الإشاعة.
أما في الدول المرهقة…
فتكفي الإشاعة لتصبح حقيقة.
يكفي منشور.
يكفي تسجيل صوتي.
يكفي رقم مجهول.
فتتحرك الأسواق.
وترتفع الأسعار.
ويهرع الناس.
ثم نكتشف متأخرين أن ما حدث لم يكن خبرًا…
بل عدوى.
الإشاعة ليست كذبة فقط.
الإشاعة سلطة.
سلطة تمنح الخائفين شعورًا زائفًا بالمعرفة.
وسلطة تنتزع من المؤسسات حق تفسير الواقع.
وحين تعجز الدولة عن إدارة المعلومة…
تنتقل السيادة إلى المجهول.
وعندها لا يُحكم الناس بالقانون…
بل بالتخمين.
الجيش الثالث: انهيار التوقعات… الجريمة التي لا تُسجل
الجوع يُرى.
لكن انهيار التوقعات لا يُرى.
أن ينام طفل دون عشاء مؤلم…
لكن أن يكبر دون أن يصدق أن المستقبل موجود…
فهذا أخطر.
حين يبدأ الناس في حذف أحلامهم من الميزانية.
وحذف التعليم من الأولويات.
وحذف المشاريع.
وحذف فكرة العودة.
وحذف كلمة: «سأبدأ».
هذه ليست أزمة معيشة.
هذه عملية تفكيك بطيئة للمجتمع.
الأمم لا تنهار عندما يقل دخلها.
الأمم تنهار عندما يصبح المستقبل فكرة غير قابلة للتصديق.
من المسؤول عن هذا الصمت؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس:
من رفع السعر؟
بل:
من ترك الخوف بلا منافس؟
من ترك المواطن وحيدًا أمام شاشة هاتفه؟
من سمح بأن تتحول الإشاعة إلى مؤسسة؟
من جعل الناس تعرف أخبار السوق من الهمس أكثر مما تعرفها من التوضيح؟
في إدارة الأزمات…
الصمت ليس نقصًا في الكلام.
الصمت سياسة.
وكل مساحة لا تملؤها الحقيقة…
تملؤها رواية أخرى.
قد تكون أغبى.
وقد تكون أخطر.
لكنها ستنتصر لأنها حضرت.
> رؤية الجسر والمورد: لا تنتصر دولة على الأزمة إلا إذا استعادت معنى الدولة
لا يحتاج السودان إلى خطاب يطلب من الناس الصبر.
فالناس صبرت بما يكفي.
ولا يحتاج إلى لغة تطلب من المواطن أن يتحمل أكثر.
فالناس تحملت بما يكفي.
السؤال الحقيقي:
هل توجد رواية وطنية واضحة تشرح أين نحن؟ وكيف نعبر؟ وما الذي يُنتظر من كل طرف؟
لأن المواطن لا يطلب المعجزات.
المواطن يريد فقط أن يشعر أن هناك عقلًا يدير الطريق.
الخطر ليس أن ينهار الجنيه.
فكل العملات يمكن أن تتعافى.
والخطر ليس أن ترتفع الأسعار.
فكل الأسواق تعرف الصعود والهبوط.
الخطر الحقيقي…
أن يتوقف الناس عن السؤال.
أن تتحول النجاة إلى مشروع فردي…
ويصبح الوطن مجرد مكان نقيم فيه حتى إشعار آخر
خبير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية: لقاءات القاهرة تعيد رسم خارطة النفوذ في البحر الأحمر
أكد الباحث والخبير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية والعلوم السياسية الدكتور عماد الدين ح…





