‫الرئيسية‬ مقالات السودان… من شرعية المنصب إلى شرعية الصوت
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

السودان… من شرعية المنصب إلى شرعية الصوت

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات 

نكتب اليوم عن الانصرافي، لا لأن القصة تبدأ منه، بل لأن قصة أوسع يمكن أن تُقرأ من خلاله…

*قصة تحولات الثقة والرأي العام في السودان خلال سنوات الحرب*

 

> في الأزمنة المستقرة تصنع المؤسسات الرأي العام… لكن في الأزمنة المضطربة تصنعه الأصوات.

 

وحين تضعف القنوات الرسمية، وتتراجع الثقة في الخطاب المؤسسي، وتصبح الأحداث أسرع من قدرة الدولة والإعلام التقليدي على التفسير…

يظهر نوع جديد من الفاعلين:

 

●لا يحمل دائمًا صفة رسمية.

●ولا يحتاج إلى مؤسسة كبيرة.

●ولا يشترط أن يعرفه الناس وجهًا أو سيرة.

 

لكنه يمتلك شيئًا أكثر تأثيرًا:

 

> أن يتكلم بالسرعة التي يفكر بها الناس.

وهنا تولد الظواهر الصوتية.

 

الظاهرة الصوتية ليست مجرد شخص مشهور أو صاحب متابعة واسعة…

بل حالة اجتماعية يتجاوز فيها تأثير الصوت حدود موقعه التقليدي، ليصبح مصدرًا للتفسير، وإنتاج المعنى، وتوجيه الانفعال الجمعي.

 

وفي السودان، ومع امتداد الحرب، وتعدد الروايات، وتراجع اليقين، برزت هذه الظاهرة بصورة تستحق الدراسة لا الجدل.

ومن بين أكثر النماذج السودانية إثارة للتأمل…

 

> الانصرافي.

 

ليس بوصفه حالة فردية.

ولا بوصفه استثناءً إعلاميًا.

بل بوصفه نموذجًا سودانيًا خالصًا يكشف تحولات أعمق داخل المجتمع.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل نتفق معه أم نختلف؟

السؤال الأهم:

كيف يمكن لصوت لا يستند إلى موقع رسمي، ولا تقوم شرعيته بالضرورة على معرفة الجمهور بهويته المباشرة، أن يحقق هذا القدر من التأثير؟

الإجابة لا تبدأ من الشخص…

بل من المجتمع.

 

في دراسات الرأي العام الحديثة حدث تحول مهم:

لم يعد السؤال المركزي:

من يقول ماذا؟

بل:

لماذا يصدّق الناس؟

وهنا تساعدنا ثلاث عدسات تفسيرية.

 

أولًا: نظرية الاستخدامات والإشباعات.

 

هذه النظرية تفترض أن الجمهور ليس مستقبلًا سلبيًا…

بل يذهب إلى المنصات بحثًا عمّا ينقصه.

في الظروف الطبيعية يبحث الناس عن المعلومات.

أما في ظروف الحرب والقلق وعدم اليقين…

فيبحثون عن:

 

● التفسير.

● الوضوح.

● الإيقاع اليومي.

● الإحساس بأن أحدًا يقرأ المشهد نيابة عنهم.

 

ولهذا قد يتابع الناس صوتًا لا يعرفون عنه الكثير…

لكنهم يشعرون أنه يمنحهم ما فقدوه في أماكن أخرى.

ليس لأن الاسم فقد قيمته…

بل لأن الحاجة أصبحت أقوى من الاسم.

 

ثانيًا: نظرية التدفق المرحلي للرأي العام.

 

هذه النظرية تقول إن الجمهور لا يتعامل مع الواقع مباشرة…

بل عبر وسطاء يعيدون تفسيره.

قديمًا كانوا رؤساء التحرير والمثقفين والسياسيين.

اليوم قد يكون الوسيط:

 

صوتًا.

 

وفي البيئة الرقمية لا يحتاج قائد الرأي إلى بطاقة تعريف…

يكفي أن ينجح في صناعة الإيقاع.

وهنا تظهر المفارقة السودانية:

قد لا يعرف الجمهور من المتحدث…

لكنه يعرف كيف يتوقع أن يتحدث.

ويكفي هذا أحيانًا لبناء الولاء المعرفي.

 

وربما يساعدنا هنا مفهوم آخر في علم الاجتماع السياسي، هو ما يُعرف بـ”الشرعية الرمزية”. فالتأثير في المجال العام لا يُبنى دائمًا على سلطة قانونية أو موقع رسمي، بل قد ينشأ من اعتراف الجمهور ذاته بحق شخص أو جهة في تفسير الواقع. وفي هذه الحالة لا يمنح الناس المتحدث منصبًا، لكنهم يمنحونه شيئًا لا يقل أهمية: حق التأويل. ومع مرور الوقت تتحول القدرة على الشرح وربط الأحداث وتقديم المعنى إلى مصدر من مصادر الشرعية الاجتماعية، حتى وإن لم تستند إلى تفويض مؤسسي مباشر. ولهذا فإن ما يلفت الانتباه في بعض الظواهر الصوتية ليس حجم المتابعة فحسب، بل الكيفية التي يكتسب بها الصوت سلطة رمزية تجعله مرجعًا تفسيريًا لدى قطاع من الجمهور.

 

ثالثًا: اقتصاد الثقة.

 

وهذه ربما أخطر نقطة.

لأن ما يحدث اليوم ليس انتقال الجمهور من مؤسسة إلى فرد…

بل انتقال الثقة نفسها.

حين يشعر الناس أن المؤسسات بطيئة أو بعيدة أو لا تجيب عن الأسئلة اليومية.

فإنهم لا يتوقفون عن البحث عن الحقيقة…

بل يعيدون توزيع ثقتهم.

ولهذا ربما لا يكون من الدقة أن ننظر إلى الانصرافي باعتباره مجرد حالة إعلامية…

بل باعتباره رسالة اجتماعية.

رسالة تقول إن هناك فراغًا ما…

وأن أحدًا استطاع أن يملأه.

غير أن قراءة هذه الظاهرة لا تكتمل بالاحتفاء بقدرتها على ملء الفراغ التفسيري؛ فانتقال الثقة من المؤسسات إلى الأصوات الفردية يحمل في داخله تحديات لا تقل أهمية عن أسباب ظهوره. فالمؤسسات – على ما فيها من قصور – تخضع نظريًا لقواعد المساءلة والتصحيح والتعدد، بينما قد تتحول الأصوات المؤثرة مع الزمن إلى مراكز نفوذ رمزي يصعب مراجعتها أو مساءلتها بالقدر نفسه. وعندما يصبح تفسير فرد واحد للأحداث أكثر حضورًا من التفسير المؤسسي، فإن المجتمع لا يكون قد حل مشكلة الثقة بقدر ما يكون قد أعاد توزيعها في اتجاه جديد. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الأصوات المؤثرة، بل في قدرة المؤسسات على استعادة دورها بوصفها المصدر الأكثر كفاءة ومصداقية واستدامة في إنتاج المعرفة العامة.

 

لكن كيف نعرف أننا أمام ظاهرة رأي عام لا مجرد متابعة رقمية؟

هنا تقترح دراسات الرأي العام مؤشرات أعمق من عدد المتابعين:

 

● كم مرة يعاد تداول خطابه؟

● كم مرة تتحول مفرداته إلى لغة يومية؟

● كم مرة ينتظر الناس تفسيره للحدث؟

● كم مرة يؤثر على المزاج العام؟

● وكم مرة يصبح السؤال:

«ماذا سيقول؟»

أكثر حضورًا من سؤال:

«ماذا حدث؟»

 

حينها لا نكون أمام متابعين…

بل أمام كتلة إدراكية.

لكن ربما تكون النقطة الأهم أن دراسة هذه الظواهر لا ينبغي أن تنتهي عند الأشخاص الذين يجسدونها. فكل ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار تقول شيئًا عن المجتمع الذي أنتجها أكثر مما تقول عن الفرد الذي يمثلها. ومن هذه الزاوية لا يصبح الانصرافي بطل القصة بقدر ما يصبح شاهدًا على قصة أكبر؛ قصة تحولات الثقة وإعادة تشكيل الرأي العام في السودان.

 

ولهذا يبرز سؤال يستحق التأمل: إذا اختفى هذا الصوت غدًا، فهل تختفي الظاهرة معه؟ على الأرجح لا. لأن الظواهر الصوتية لا تنشأ من الأفراد وحدهم، بل من حاجات اجتماعية أعمق تبحث باستمرار عمن يلبيها؛ حاجة إلى التفسير وسط الضبابية، وحاجة إلى الاستجابة السريعة في زمن التسارع، وحاجة إلى الثقة حين تتراجع قدرة المؤسسات على إنتاج اليقين. وعندما تستمر هذه الحاجات، فإن الظاهرة قد تتغير وجوهها وأسماؤها، لكنها لا تختفي بالضرورة.

وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يُطرح على السودان لا على الانصرافي:

 

■ ماذا يقول ظهور هذه الظاهرة عن المجتمع السوداني نفسه؟

 

■ هل نحن أمام قوة المنصات؟

 

■ أم أمام فراغ المؤسسات؟

 

■ هل نحن أمام ذكاء الجمهور؟

 

■ أم أمام عطشه للتفسير؟

 

■ أم أننا أمام لحظة تاريخية أعادت تعريف السلطة نفسها؟

 

ففي الماضي كانت السلطة تقول:

أنا موجود إذن أؤثر.

أما اليوم فيبدو أن المعادلة أصبحت:

 

أنا أفسر… إذن أؤثر.

 

وهنا يكمن التحول الأكبر.

فالناس لا تتبع الصوت دائمًا لأنها تعرف صاحبه…

أحيانًا تتبعه لأنها ترى فيه اختصارًا للحظة التي تعيشها.

وهنا تصبح دراسة الانصرافي ليست دراسة لشخص…

 

بل دراسة لتحول أعمق:

 

كيف انتقل السوداني من الثقة بالموقع… إلى الثقة بالحضور.

 

ومن الثقة بالمؤسسة…

إلى الثقة بالاستجابة.

 

ومن سؤال:

 

«من أنت؟»

 

إلى سؤال أكثر حداثة وتأثيرًا:

 

«هل تساعدني على فهم ما يحدث؟»

 

هناك لا تبدأ قصة الانصرافي…

 

هناك تبدأ قصة الرأي العام السوداني الجديد.

 

وربما لهذا لا يكون التحدي الحقيقي هو منافسة الأصوات…

بل بناء مؤسسات لا تجعل المجتمع مضطرًا للبحث عن يقينه خارجها.

 

#أصل_القضية ليس من يتحدث…

بل لماذا أصبح الناس لا يجدون من يسمعهم إلا هناك؟

‫شاهد أيضًا‬

الابيض عصية علي السقوط في يد المليشيا

مازالت الابيض عروس الرمال صامدة وقوية في وجه محاولات مليشيا دقلو في دخول المدينة العريقة و…