عندما تعوض الدبلوماسية فارق القوة .. دروس من تفاوض (عراقجي) مع الدولة العظمي
السفير / رشاد فراج الطيب

في عالم العلاقات الدولية ، كثيراً ما تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من جيوش واقتصادات وموارد طبيعية وتحالفات سياسية .
غير أن التاريخ يعلمنا أن هناك نوعاً آخر من القوة لا يقل أهمية عن القوة العسكرية والاقتصادية ، وهو قوة التفاوض والدبلوماسية .
فكم من دولة صغيرة استطاعت أن تحقق أهدافاً كبيرة بفضل حسن إدارة التفاوض ، وكم من دولة عظمى أخفقت في ترجمة تفوقها إلى مكاسب سياسية بسبب ضعف الأداء الدبلوماسي أو سوء تقديرها لموازين المصالح .
والتفاوض يشمل حالتي الحرب والسلم ، ويشمل بناء اتفاقيات التعاون وبناء المصالح والتحالفات الناجحة من خلال الاستثمار الأمثل لعناصر القوة واستغلال الفرص بالتفاوض الناجح وفي الوقت المناسب .
وقد أعادت المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تسليط الضوء على هذه الحقيقة .
فبعيداً عن الموقف السياسي من الطرفين ، فإن التجربة تقدم درساً بالغ الأهمية في كيفية توظيف الدبلوماسية لتعويض فارق القوة وتحقيق المصالح الوطنية .
فمن حيث موازين القوة التقليدية ، لا مجال للمقارنة بين البلدين .
فالولايات المتحدة هي القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم ، بينما تواجه إيران منذ عقود عقوبات وضغوطاً اقتصادية وسياسية وأمنية متواصلة .
ومع ذلك ، يرى عدد من المراقبين أن طهران استطاعت أن تحقق مكاسب تفاوضية مهمة دفعت بعضهم إلى وصف ما جرى بأنه انتصار للدبلوماسية الإيرانية وقد استند هذا النجاح بجانب قوة الدبلوماسية الايرانية الي مقاومة وصمود من الدولة و الشعب الايراني الذي تعرض لاكبر عدوان عسكري ومن أقوي واعتي جيشين متحالفين علي الاطلاق هما الأمريكي والإسرائيلي ، عدوان استخدم أكثر أنواع الأسلحة والقنابل فتكا
بالوجود البشري والحياة ،
بدأ بالقتل والتدمير وتهديد الحضارة الإنسانية
وانتهي بحضور صاغر الي طاولة تفاوض لتقديم تنازلات متبادلة مع إيران!
ولعل أبرز ما يلفت النظر في هذه التجربة أن الوفد الإيراني قاده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ، وهو ليس مجرد دبلوماسي محترف ، فهو مؤلف كتاب ” قوة التفاوض” الذي يعكس إيماناً عميقاً بأن التفاوض علم قائم على المعرفة والخبرة والتخطيط الاستراتيجي ، وليس مجرد مهارة سياسية عابرة .
وقد راكم عراقجي خبرة طويلة في إدارة المفاوضات المعقدة ، خاصة في الملف النووي ، حتى أصبح أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية في إيران .
وتشير القراءة النقدية للاتفاق إلى أن إيران نجحت في الحصول على جملة من المكاسب المهمة ، من بينها تخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية ، وإتاحة الوصول إلى أموال وأصول مجمدة ، وفتح الباب أمام رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية ، إلى جانب الاحتفاظ بجزء مهم من مكتسباتها النووية ،
ونجاحها في نزع الاعتراف بما يسمي وحدة الساحات اي – نفوذها الإقليمي – وتأجيل أو تحييد بعض القضايا الخلافية الكبرى إلى مراحل تفاوضية لاحقة وأهمها برنامجها الصاروخي .
كما تمكنت من ربط الانتقال إلى المفاوضات النهائية بتحقق عدد من المكاسب الاقتصادية والمالية المسبقة ، وهو ما اعتبره بعض المحللين نجاحاً واضحاً في إدارة العملية التفاوضية يؤذن بأنها ستخرج من هذه الحرب ومن التفاوض كقوة اقليمية وازنة ومعترف بها .
كل ذلك الي جانب مفاعيل أخري حدثت في العلاقة بين الحليفين أمريكا وإسرائيل ،
من جهة وأمريكا وأوروبا وحلف الناتو من جهة ، والخليج وأمريكا من جهة أخري ، وربما في مجمل شكل وعلاقات النظام الدولي دون مبالغة .
وسواء اتفق المرء أو اختلف مع هذا التقييم ، فإن الدرس الأهم لا يتعلق بإيران وحدها ، بل يتعلق بأهمية بناء القدرات التفاوضية للدول .
فالمفاوض الناجح لا يغير موازين القوى الدولية ، لكنه يستطيع أن يحسن توظيفها ، وأن يخفف آثار الاختلال فيها ، وأن يحقق لبلاده أفضل النتائج الممكنة في ظل الظروف القائمة .
وهنا تحضر إلى الذهن تجربة الدبلوماسي الأمريكي الشهير هنري كيسنجر الذي ارتبط اسمه بأبرز الإنجازات الدبلوماسية الأمريكية في القرن العشرين .
فقد أدرك كيسنجر أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق المصالح الوطنية ، وأن النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على إدارة المصالح والتوازنات وصياغة التسويات .
ولذلك نجح في فتح صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية الصينية ، وفي إدارة ملفات دولية معقدة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم .
وإذا كان كيسنجر قد مثّل نموذجاً للدبلوماسي الذي جمع بين الفكر والممارسة ، فإن عباس عراقجي يقدم نموذجاً مشابهاً في بيئة مختلفة وظروف مختلفة .
فكلاهما أدرك أن التفاوض ليس مجرد تبادل للمواقف ، وإنما عملية استراتيجية تتطلب فهماً عميقاً للمصالح وموازين القوى ونقاط القوة والضعف لدى جميع الأطراف .
ومن هنا فإن أحد أهم دروس التجربة الإيرانية يتمثل في أن الاستثمار في إعداد الكوادر الدبلوماسية لا يقل أهمية عن الاستثمار في بناء الجيوش أو تطوير الاقتصادات .
فالدول التي تريد حماية مصالحها الحيوية تحتاج إلى مدارس وطنية للتفاوض ، وإلى خبراء في القانون الدولي والاقتصاد والسياسة وإدارة الأزمات ، قادرين على الدفاع عن مصالح أوطانهم في ساحات التفاوض الدولية .
إن الأمم لا تنتصر بالقوة وحدها ، بل بما تمتلكه من قدرة على إدارة تلك القوة وتوظيفها بحكمة .
وقد تكسب الجيوش المعارك ، لكن الدبلوماسيين هم الذين يصوغون نتائجها ويحولونها إلى مكاسب سياسية واقتصادية مستدامة أو خسائر مستدامة .
ولهذا فإن التجربة الإيرانية ، بصرف النظر عن الموقف منها أو من سياساتها ، تقدم درساً جديراً بالتأمل : فالدبلوماسية الماهرة قد لا تلغي فارق القوة ، لكنها تستطيع أن تقلص آثاره ، وأن تحول بعض عناصر الضعف إلى فرص ، وأن تمنح الدول قدرة أكبر على حماية مصالحها وتحقيق أهدافها .
ففي نهاية المطاف ، لا يُذكر في التاريخ فقط من امتلك القوة ، بل يُذكر أيضاً من أحسن استخدامها ، ومن امتلك من الحكمة والبصيرة ما جعله قادراً على تحويل التحديات إلى مكاسب ، والصراع إلى فرصة ، والتفاوض إلى أحد أهم أدوات القوة الوطنية والدبلوماسية الناجحة .
البرهان يترأس اجتماعاً حاسماً لمعالجة الأوضاع الاقتصادية
عقد مجلس السيادة الانتقالي اليوم بالقصر الجمهوري اجتماعاً برئاسة الفريق أول الركن عبد الفت…





