‫الرئيسية‬ مقالات قبل أن نعلن السلام… افتحوا ملفات المخدرات والانفلات الأمني والمندسين
مقالات - ‫‫‫‏‫11 دقيقة مضت‬

قبل أن نعلن السلام… افتحوا ملفات المخدرات والانفلات الأمني والمندسين

حديث الساعة إلهام سالم منصور

السلام ليس بيانًا يُتلى، ولا احتفالًا تُرفع فيه الأعلام، ولا مصافحة أمام عدسات الكاميرات، وإنما هو مشروع دولة متكامل يقوم على الأمن والعدالة وسيادة القانون. لذلك فإن السودان، وهو يقترب من مرحلة ما بعد الحرب، يحتاج إلى شجاعة في مواجهة الملفات الشائكة قبل التفكير في إعلان السلام.

لقد خاض الجيش السوداني، ومعه القوات التي ساندته، معركة الكرامة دفاعًا عن الدولة ومؤسساتها. كما عاد إلى حضن الوطن عدد من القيادات والأفراد الذين اختاروا ترك القتال والانحياز إلى السودان. وهذه خطوة يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار إذا أُديرت وفق القانون والمؤسسات، لكنها في الوقت نفسه تستوجب مراجعة دقيقة لكل التحديات المصاحبة لها، حتى لا تتحول مرحلة السلام إلى مرحلة فوضى جديدة.

ومن أخطر الملفات التي يجب أن توضع على طاولة الحل ملف المخدرات. فالحرب في كثير من الأحيان تخلق بيئة خصبة لانتشار شبكات التهريب والترويج، مستغلة ضعف الرقابة والانشغال بالعمليات العسكرية. والمخدرات لا تستهدف فردًا بعينه، وإنما تستهدف عقول الشباب، وتدمر الأسرة، وتزيد معدلات الجريمة، وتضعف الإنتاج، وتفتح الباب أمام الابتزاز والتجنيد في الأنشطة الإجرامية.

ولا يقل خطورة عن ذلك انتشار بعض الظواهر السالبة التي قد تظهر في البيئات التي شهدت نزاعات مسلحة، مثل الانفلات الأمني، وحمل السلاح خارج الأطر القانونية، والتعدي على الممتلكات، أو أي ممارسات تضر بالمواطن وتسيء لهيبة الدولة. وإذا وُجدت مثل هذه التجاوزات، فإن معالجتها يجب أن تتم بالعدل والقانون، دون تعميم أو اتهام جماعي لأي جهة، لأن بناء الدولة يتطلب محاسبة الأفراد على أفعالهم، لا إصدار أحكام عامة.

كما أن ملف العائدين إلى حضن الوطن يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة تقوم على إعادة الدمج، والتأهيل، والالتزام بالقانون، حتى يكونوا جزءًا من مرحلة البناء لا سببًا في استمرار التوتر. فالمصالحة الحقيقية لا تعني إغلاق الملفات، وإنما تعني معالجتها بشفافية وعدالة، بما يحفظ حقوق الوطن والمواطن.

وهناك أيضًا من يعمل في الظل لإبقاء نار الحرب مشتعلة، سواء عبر نشر الشائعات، أو بث خطاب الكراهية، أو السعي لإثارة الفتن بين مكونات المجتمع، أو تحقيق مصالح شخصية من استمرار الفوضى. وهؤلاء يمثلون خطرًا على السلام، لأنهم يراهنون على الانقسام، ويخشون استقرار الدولة. ولهذا فإن التصدي لهم يكون بتطبيق القانون، وتعزيز الوعي، وتقوية مؤسسات الدولة، وعدم السماح لأي جهة بجر البلاد إلى مربع الفوضى مرة أخرى.

إن السلام الحقيقي يحتاج إلى إصلاح أمني، ومكافحة للمخدرات، وتعزيز لسيادة القانون، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق برامج للشباب والتعليم والعمل، لأن التنمية هي الحصن الحقيقي ضد الجريمة والتطرف والعنف.

إن إعلان السلام قبل معالجة هذه الملفات قد يمنح البلاد هدوءًا مؤقتًا، لكنه لن يصنع استقرارًا دائمًا. أما السلام الذي يقوم على العدالة، وسيادة القانون، ومكافحة الجريمة، وتجفيف منابع المخدرات، وضبط السلاح، وحماية المجتمع، فهو السلام الذي يستحقه السودان، وهو وحده القادر على إغلاق صفحة الحرب وفتح صفحة البناء والتنمية.

حفظ الله السودان، وألهم أبناءه الحكمة ليكون السلام القادم سلامًا يصنع دولة قوية، لا هدنة تؤجل الصراع.

السبت ٢٧يوتيو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

بين الشهادة والاستدعاء.. أمدرمان تكتب فصلها الجديد

دشن الكاتب محمود الشين كتابة ( امدرمان الامس.. حلم سيعود) بالمركز الثقافي بامدرمان بحضور ع…