‫الرئيسية‬ مقالات الهجرة السودانية إلى بريطانيا… بين استنزاف العقول ومخططات الأطماع القديمة
مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

الهجرة السودانية إلى بريطانيا… بين استنزاف العقول ومخططات الأطماع القديمة

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في لحظة تاريخية فارقة، يطل القرار البريطاني بفتح أبواب الهجرة أمام السودانيين وكأنه امتداداً لسياسات استعمارية قديمة، لا تحمل في جوهرها حرصاً على السودانيين ولا تعاطفاً مع مآسيهم، وإنما تعكس مخططاً منظماً يستهدف استنزاف الطاقات البشرية والخبرات العملية التي يحتاجها السودان لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. إن هذا القرار ليس بريئاً ولا عفوياً، بل هو جزء من رؤية استراتيجية تعيد إلى الأذهان أطماع بريطانيا منذ أن وطأت أقدامها أرض السودان، حيث لم يكن الهدف سوى اليد العاملة الرخيصة والاستحواذ على خيرات البلاد ومواردها الوفيرة.

 

الهجرة في ظاهرها قد تبدو فرصةً للباحثين عن الأمان والاستقرار، لكنها في حقيقتها نزيفاً مستمراً للكفاءات التي يعوّل عليها الوطن في بناء مؤسساته وإحياء اقتصاده المنهك. فحين يغادر الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي أرض السودان، فإن الوطن يخسر ركائز أساسية كان يمكن أن تكون حجر الزاوية في نهضة جديدة. وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الهجرة المنظمة تُغلق أمام السودانيين أبواب العودة، وتجعل خيار “الخطة ب” هو اللجوء الدائم في بلاد الغربة، حيث يذوب الفرد في مجتمع جديد ويُقطع خيط ارتباطه بوطنه الأم.

 

إن الحكومة السودانية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تضع سياسات واضحة لتسهيل العودة الطوعية للسودانيين بالخارج، وأن تفتح أمامهم مسارات عملية للاندماج في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية. فالوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه، ولا ينهض إلا بعقولهم وخبراتهم. وإذا لم يجد السوداني طريقاً ممهداً للعودة الكريمة، فإن أبواب الهجرة ستظل مشرعة، وسيظل النزيف مستمراً، لتخسر البلاد أعز ما تملك: إنسانها.

 

إن التاريخ يعيد نفسه، لكن على السودانيين أن يقرأوا الدرس جيداً. فبريطانيا التي فكرت في استعمار السودان لم تفعل ذلك حباً فيه، بل رغبةً في استغلال موارده واستقطاب عمالته. واليوم، حين تفتح أبواب الهجرة، فإنها تكرر ذات السيناريو ولكن بوسائل أكثر نعومة ودهاء. لذلك فإن قطع الطريق على هذه المخططات لا يكون إلا بإعادة السوداني إلى وطنه عزيزاً مكرماً، مشاركاً في صناعة مستقبله، لا مجرد رقم في سجلات الهجرة.

 

لابد من حلول حكومية لتسهيل عودة المهاجرين السودانيين وأن لا تكون مجرد شعارات يجب أن تكون منظومة متكاملة تتطلب إرادة سياسية صلبة ورؤية استراتيجية واضحة تبدأ أولاً بتوفير بيئة آمنة ومستقرة في الداخل لأن الأمن أساس العودة الطوعية فإذا شعر السوداني بأن وطنه قادر على حمايته وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار فإنه سيعود تلقائياً دون تردد ثم تأتي مرحلة إعادة تأهيل البنية التحتية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم لأن هذه الخدمات هي العمود الفقري للحياة اليومية.

 

كما أن الحكومة مطالبة بفتح أبواب التمويل عبر المصارف والمؤسسات الوطنية لتشجيع العائدين على إقامة مشاريع صغيرة ومتوسطة تضمن لهم دخلاً مستقراً وتساهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني فالمهندس والطبيب والمعلم والخبير الزراعي الذين غادروا البلاد بسبب الحرب يمكن أن يكونوا اليوم ركيزة أساسية في عملية الإعمار إذا وجدوا الدعم والتمويل والفرص المناسبة لذلك ومن هنا تأتي أهمية الخطة الخمسية للتعافي التي تستهدف ملايين المشاريع الصغيرة وتضع الشباب والنساء في قلب العملية التنمويةولا بد من أن تتبنى الدولة سياسة واضحة للعودة الطوعية عبر منصات إلكترونية تسهل التسجيل وتحدد الأولويات الإنسانية وتوفر وسائل النقل الجوي والبري والبحري لإعادة السودانيين من دول المهجر خاصة أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العودة كما أن إشراك شركات الطيران الوطنية في هذه العملية يعزز السيادة ويجعل العودة جزءاً من مشروع وطني شامل الاستراتيجية الوطنية لعودة النازحين واللاجئين يجب أن تشمل حلولاً دائمة لا تقتصر على العودة فقط بل تمتد إلى الاندماج المحلي وتحسين ظروف المعيشة وضمان الوصول إلى العدالة والمشاركة في الشأن العام لأن العودة لا تعني مجرد وجود جسدي في الوطن وإنما تعني استعادة الدور الفاعل في بناء الدولة والمجتمع.

 

إذا أرادت الحكومة السودانية أن تقطع الطريق على مخططات استنزاف العقول والكفاءات فعليها أن تجعل العودة الطوعية مشروعاً وطنياً شاملاً يقوم على الأمن والخدمات والتمويل والعدالة والمشاركة السياسية حتى يعود السوداني إلى وطنه عزيزاً مكرماً مشاركاً في صناعة المستقبل لا مجرد مهاجر دائم في الخارج.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

طرق الخرطوم تحركات عاجلة لصيانة المداخل والاستعداد لموسم الخريف

أكدت هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه بولاية الخرطوم أهمية الإسراع في تأهيل وصيانة مداخل ا…