‫الرئيسية‬ مقالات الجامعة الوطنية عندما تتغلب الأيديولوجيا على رسالة التعليم
مقالات - ‫‫‫‏‫32 دقيقة مضت‬

الجامعة الوطنية عندما تتغلب الأيديولوجيا على رسالة التعليم

خواطر ابن فضل د. محمد فضل محمد

اطلعت على ما نشرته إحدى الأخوات عن تجربتها أثناء مراجعتها للجامعة الوطنية بالخرطوم للاستفسار عن إجراءات التحويل، حيث ذكرت أنها فوجئت – قبل أن تُسأل حتى عن غرض حضورها – بأن الموظف أخبرها *بأن الجامعة لا تقبل المنقبات، وأن المنتقبة لن يُسمح لها بدخول الجامعة، ثم دار بينهما نقاش حول النقاب انتهى بانصرافها دون أن تحصل على الخدمة التي جاءت من أجلها.*

وسواء اتفقنا أو اختلفنا في تفاصيل الواقعة، فإنها تثير سؤالًا أكبر من الحادثة نفسها، وهو: *هل يجوز لإدارة جامعة أن تحرم طالبة من حقها في التعليم بسبب قناعة شخصية تتعلق بلباسها؟* ومنذ البداية أود أن أوضح أنني لا أريد هنا أن أناقش الحكم الشرعي للنقاب، فهذه مسألة معروفة عند أهل العلم، ولكلٍ أدلته واجتهاده، وإنما أتحدث عن مبدأ آخر لا يقل أهمية، وهو *حدود سلطة المؤسسة التعليمية، وحقها في* *تنظيم العملية الأكاديمية، دون أن تتجاوز ذلك إلى فرض قناعات فكرية أو التدخل في الحريات الشخصية التي لا تعارض النظام* *فالجامعة مؤسسة أكاديمية، وليست جهة وصاية على أفكار الناس أو قناعاتهم الشخصية. ورسالتها أن تعلّم، وتبحث،* *وتخرّج الكفاءات، لا أن تتحول إلى جهة تحدد للناس ما يلبسون وما يتركون، ما دام ذلك لا يخل بسير الدراسة، ولا يمنع التحقق من الهوية عند الحاجة وفق الضوابط النظامية.*

ويبقى السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الجامعة الوطنية: *ما العلاقة بين النقاب وبين التحصيل الأكاديمي؟ وهل يمنع النقاب الطالبة من حضور المحاضرات؟ أو أداء الامتحانات؟ أو إجراء البحوث العلمية؟ أو المشاركة في الأنشطة الجامعية؟* فإن لم يكن هناك تعارض حقيقي، فما المبرر الأكاديمي لهذا المنع؟

ولعل الواقع خير شاهد على ذلك؛ فقد عرفت الجامعات في السودان، وفي كثير من الدول الإسلامية، طالباتٍ منتقبات كنَّ من الأوائل على دفعاتهن، وحصلن على درجات علمية رفيعة، ثم تقلدن وظائف مهنية مرموقة، فكان منهن الطبيبة، وأستاذة الجامعة، والصيدلانية، والمهندسة، والمحامية، وغير ذلك من التخصصات، ولم يكن النقاب يومًا عائقًا أمام تفوقهن العلمي أو تميزهن المهني. فالنجاح والإبداع يصنعهما العقل والاجتهاد، لا نوع اللباس الذي ترتديه الطالبة.

فإذا كان الواقع العملي قد أثبت أن النقاب لا يحول دون التفوق العلمي، فما المبرر الأكاديمي لمنعه؟ وهل تقاس كفاءة الطالبة بما تغطي به وجهها، أم بما تحققه من علم وبحث وإنجاز؟

*إن مثل هذه الممارسات تمثل – في نظري – صورة من العلمانية المتطرفة؛ لأنها لا تكتفي بالفصل بين الدين وبعض شؤون الحياة العامة، وإنما تتحول إلى إقصاء كل مظهر يخالف توجهها الفكري، ولو كان ذلك على حساب الحقوق والحريات الشخصية. فالحرية لا تكون حقيقية إذا كانت تمنح لمن يوافقنا، وتصادر عمن يخالفنا.* وليس هذا الكلام نظريًا، فقد عاشت *تركيا سنوات طويلة تحت وطأة العلمانية المتشددة التي منعت المحجبات من دخول الجامعات والمؤسسات العامة. حتى إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – قبل تعديل تلك القوانين – لم يتمكن من إلحاق ابنته بإحدى الجامعات التركية بسبب الحجاب، واضطر إلى إرسالها للدراسة في ألمانيا. ثم أدركت الدولة لاحقًا خطأ تلك السياسات، فعدلت القوانين وأعادت الحقوق إلى أصحابها. فهل نريد اليوم أن نعيد تجربة ثبت فشلها، وتراجعت عنها الدولة التي طبقتها؟*

والأعجب من ذلك أن *كثيرًا من الدول الغربية، التي تُتهم دائمًا بالتشدد تجاه المظاهر الدينية، لا تجعل منع النقاب قاعدة عامة في جميع جامعاتها، بل تختلف الأنظمة من مؤسسة إلى أخرى، مع الحفاظ على حق المؤسسة في التحقق من الهوية عند الحاجة. فكيف يُضيَّق على المنتقبة في بلد مسلم أكثر مما يُضيَّق عليها في بعض الدول غير المسلمة؟*

إن أخطر ما في مثل هذه القرارات أنها لا تمس فردًا بعينه، وإنما *قد تفتح بابًا لاحتقان مجتمعي لا حاجة للبلاد به، لأن المجتمع السوداني مجتمع مسلم بطبيعته، ويحترم الشعائر والمظاهر الدينية، ولن ينظر كثير من الناس إلى مثل هذه القرارات على أنها مجرد تنظيم إداري، بل سيفهمونها على أنها استهداف لقناعة دينية وشخصية، وهو أمر كان بالإمكان تجنبه بسهولة لو التزمت الجامعة بحدود اختصاصها الأكاديمي.*

ومن هنا فإن المسؤولية تقع على *وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فهي الجهة المختصة بحماية حق الطلاب في التعليم، وضمان التزام الجامعات بالقوانين والحقوق المكفولة لجميع المواطنين.*

*ولهذا فإنني أدعو الوزارة إلى التدخل العاجل، والتحقق من حقيقة ما نُسب إلى الجامعة* *الوطنية، فإن ثبتت صحة هذه الممارسة، فعليها أن تتخذ إجراءات حازمة تكفل عدم تكرارها، لأن الجامعات ليست* *كيانات مستقلة عن القانون، ولا يجوز أن تتحول لوائحها إلى وسيلة لفرض توجهات أيديولوجية أو التضييق على الحريات الشخصية.*

كما أدعو الوزارة إلى *إصدار لائحة موحدة تنظم مسألة الزي الجامعي في جميع مؤسسات التعليم العالي، بحيث تكفل احترام الحرية الشخصية، مع الالتزام بجميع الضوابط الأمنية والأكاديمية، ومنها التحقق من الهوية عند الحاجة، دون أن يكون ذلك ذريعة للمنع أو الإقصاء.*

ومن المهم أيضًا *أن تراجع الوزارة آليات التعامل مع الطلاب والمراجعين داخل الجامعات، وأن تؤكد أن احترام الإنسان وحسن استقباله جزء من أخلاقيات المؤسسة التعليمية، مهما اختلفت الآراء أو التوجهات.*

*إن الجامعات تُعرف بجودة تعليمها، وريادتها العلمية، وتميزها البحثي، لا بمدى تدخلها في خيارات الطلاب الشخصية. وكان الأولى بالجامعة الوطنية أن تنشغل بتطوير برامجها الأكاديمية، والارتقاء بمخرجاتها العلمية، وتحسين بيئتها التعليمية، بدل الدخول في قضايا تمس الحريات الشخصية، وتثير جدلًا مجتمعيًا لا يخدم التعليم ولا الاستقرار.*

إننا *لا نطالب بامتياز خاص للمنتقبة، ولا بإعفائها من الأنظمة التي تسري على غيرها، وإنما نطالب بالمساواة والعدل؛ فكما تلتزم بجميع اللوائح الأكاديمية، فمن حقها أيضًا أن تُحترم قناعتها الشخصية، وألا تُحرم من مقعدها الدراسي بسبب لباس لا يثبت أنه يخل بالتعليم أو بالنظام.*

*فالجامعة ليست وصية على القناعات، ولا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لفرض الوصاية الفكرية. وإذا كانت الحرية قيمة يُحتفى بها، فإن أول اختبار لصدقها هو احترام حرية من نختلف معه، لا من نتفق معه. أما الحرية التي تمنح الحقوق لفئة وتصادرها عن أخرى، فليست حرية، وإنما هي صورة أخرى من صور الاستبداد الفكري، مهما تجملت بشعارات الحداثة والانفتاح.*

‫شاهد أيضًا‬

يردٍّ على مقال كابتن عادل المفتي معليش… معليش… نحنا عندنا جيش

في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، وفي زمنٍ تتكاثر فيه العواصف وتشتد فيه المحن، يطل علينا ال…