العودة إلى المركز: استعادة القصر الجمهوري ورسم ملامح السيادة الجديدة
شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، تتجاوز الجغرافيا حدود أبعادها المادية لتتحول إلى رموز مكثفة تختزل نضالات الشعوب وتطلعاتها نحو العزة والكرامة. ولا يمكن قراءة عودة القيادة العليا للقوات المسلحة ومؤسسات الدولة لمباشرة أعمالها السيادية من القصر الجمهوري في الخرطوم – وعلى رأسها اعتماد السفراء الجدد – إلا بوصفها لحظة فارقة تتعدى الإجراء البروتوكولي المجرد، لتسجل تحولاً استراتيجياً ونفسياً يعيد صياغة معادلة المشهد الوطني بأكمله.
لم يكن القصر الجمهوري يوماً مجرد كتلة خرسانية أو مقراً إدارياً لإدارة شؤون الدولة، بل كان دوماً العصب الحيوي للوجدان الجمعي السوداني، والمسرح الرئيسي الذي تشكلت عليه ملامح السيادة الوطنية عبر حقب تاريخية متعاقبة، بدأت بدحر الاستعمار الأول، تتجلى القيمة التاريخية الأولى في معركة المهدية وصمود الثوار الذي توج بالسيطرة على مقر الحكم الاستعماري، ليصبح سيمفونية تمثل كسر طوق التبعية وبداية التحرر الإفريقي والعربي، ثم كان ميلاد الاستقلال، وتتكرر الرمزية في لحظة فارقة أخرى حين ارتفع العلم الوطني فوق جدرانه، معلناً ميلاد الدولة السودانية الحديثة القائمة على الإرادة الحرّة، وختاما بمعركة الصمود والعودة، فتأتي العودة الحالية لتكون الامتداد الطبيعي لهذه السلسلة من المحطات الفاصلة. إنها ليست مجرد عودة للعمل الإداري، بل استعادة لرمزية الحكم والدولة، وتأكيد على أن الشرعية الوطنية تظل راسخة وقادرة على تجاوز أعتى الأزمات والحروب.
إن ممارسة المؤسسة السيادية لمهامها الدبلوماسية من قلب العاصمة الخرطوم تحمل في طياتها أبعاداً استراتيجية متعددة الاتجاهات، وتشمل إعادة بناء الشرعية الدولية: إن مراسم قبول واعتماد سفراء الدول الجدد من مقر الحكم الرئيسي توجه رسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن الدولة السودانية تمسك بزمام الأمور، وأن مؤسساتها الرسمية أقدر من أي وقت مضى على ممارسة صلاحياتها الدستورية والدبلوماسية بكفاءة واقتدار، مما يعني تعزيز التماسك الداخلي، إن رؤية رمز الدولة يمارس مهامه من القصر التاريخي تبث شحنات مكثفة من الطمأنينة في نفوس المواطنين، وتحول التضحيات التي قُدمت ودماء الشهداء التي أُريقت إلى رصيد عملي يُستند عليه في بناء مرحلة الثبات والتعافي.
إن تثبيت أركان هذه اللحظة التاريخية يستوجب ترجمة الرمزية إلى استراتيجيات عمل ملموسة تعيد ترميم النسيج الوطني وتضع أسس المستقبل بصياغة خطاب إعلامي وثقافي جامع، واستغلال الأجهزة الإعلامية الوطنية في بث خطابات وبرامج تعزز قيمة التضامن الوطني وتبرز التلاحم بين الشعب ومؤسساته، لتصل الرسالة إلى العالم بأن إرادة البقاء والإعمار أعتى من محاولات التفكيك، بالإضافة إلى تسريع عجلة إعادة الإعمار وتحويل استعادة المقرات السيادية إلى قوة دفع شاملة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، بدءاً من العاصمة وصولاً إلى كافة الولايات، وتجميع الصف الوطني حول حلم التعافي الشامل، إن فرحة الاستعادة لن تكتمل إلا باستكمال التحرير والأمن في كافة ربوع الوطن، وعلى رأسها إقليم دارفور، ليصبح الاستقرار واقعاً شاملاً يغطي كل شبر من التراب الوطني.
خلاصة القول: إن الشعوب الحية هي تلك التي تستمد من أزماتها طاقة جديدة للنهوض. واستعادة القصر الجمهوري ليست نهاية المطاف، بل هي نقطة الانطلاق نحو مرحلة عنوانها الصبر والعزيمة، ورايتها دولة موحدة وقوية تتطلع بثقة نحو مستقبل تسوده السلامة والاستقرار.
البرهان : في جامعة الخرطوم..
** أفرح من قلبي لكل خطوة تؤكد صمود أهل السودان في مواجهة مؤامرة صهيونية استهدفت استقرارهم …




