‫الرئيسية‬ مقالات صمود… الضمانة من البرهان لكن البعفيني من سؤال خالتي التومة وناس الحِلّة منو
مقالات - ‫‫‫‏‫6 ساعات مضت‬

صمود… الضمانة من البرهان لكن البعفيني من سؤال خالتي التومة وناس الحِلّة منو

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة

يحكى أن رجلاً ظل سنوات طويلة يعيش بعيداً عن الحِلّة ويكيد لأهلها ، لا يأتيها إلا محمولاً على عربة ضيفٍ أو في معية غريب ، وكلما جاء السؤال عنه رد اهل الحلة دا ولدنا ، لكن متنكر لينا ، وفي يوم اشتد الخلاف في الحِلّة التي يسكنها ، أرسل إليه البعض مكتوبًا مفاده تعال يا زول ، الباب فاتح والبيت بيتك ، وتعال اقعد معانا ونحل مشكلتنا معاك بأيدينا ، فرد الرجل من بعيد أنا موافق … لكن رسلوا لي أولاً ضمان من التومة خالتي ومن أهل الحِلّة مايسألوني خالتي التوم دم ولدها في رقبتي ، وناس الحلة وقفت مع الغريب ضدهم ، فأرسل اليه شيخ الحِلّة الضمان موجود ، لكن السؤال ما عندنا نحن ، السؤال عند خالتك التومة و ناس الحلة ، وهنا مربط الفرس فالمشكلة ليست دائماً في أن يُفتح لك الباب ، وإنما في أن تستطيع الدخول منه ، وليس كل من امتلك ضماناً للعودة امتلك بالضرورة القدرة على مواجهة أهل الدار ، وهذه الحكاية في تقديري ، تشبه إلى حد كبير موقف صمود اليوم .

 

حين وجّه الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان دعوته إلى الحوار ، لم تكن الرسالة موجهة إلى السياسيين بوصفهم مجرد أسماء على طاولة تفاوض ، وإنما إلى قوى سودانية يفترض أن تكون قادرة على العودة إلى الداخل ومواجهة أسئلة الشعب قبل مواجهة أسئلة السياسة ، وهنا تحديداً تبرز معضلة صمود ، قد تكون دعوة البرهان مفتوحة للجميع ، وقد تكون الضمانات السياسية والقانونية كافية من الناحية النظرية لتهيئة مناخ الحوار ، لكن السؤال الذي يتجاوز نصوص الضمانات هو ، هل تستطيع قيادات صمود أن تطأ أرض السودان وتجلس أمام شعب ظل طوال الحرب يدفع ثمن مواقفهم السياسية؟ ، المسألة هنا ليست في الخوف من الإجراءات القانونية وحدها ، ولا في الضمانات التي يمكن أن تقدمها الدولة ، وإنما في رد فعل الشارع السوداني ، وفي الجرح العميق الذي خلفته الحرب في نفوس ملايين السودانيين.

 

فمن اعتاد أن يتحرك محمولاً على أكتاف الخارج ، قد يجد صعوبة حين يُطلب منه أن يمشي على أرض الوطن ، السياسة في النهاية ليست بيانات تصدر من العواصم ، ولا مؤتمرات تعقد بعيداً عن هموم الناس ، السياسة مسؤولية أمام الشعب ، والشعب السوداني عاش الحرب بكل تفاصيلها قتل ونزوح وتشريد ، وانتهاك للبيوت والحرمات ، وفقدان للأبناء والأقارب والممتلكات.

ولهذا فإن السؤال الذي ستواجهه به صمود ليس هل قبلتم دعوة البرهان؟ ، السؤال الأصعب هو ماذا ستقولون للشعب السوداني عندما تلتقون به وجهاً لوجه؟ ، ماذا ستقولون للنازح الذي ترك منزله؟ ، وللأسرة التي فقدت عزيزاً اوفقدت جملة من الأعزاء ؟ ، ولمن شاهد مدينته تُنهب وتُدمّر؟ ، وللمواطن الذي عاش الخوف والجوع والإذلال؟ ، امام هذه الأسئلة تسقط كل الحسابات النظرية ، فحتى إذا قبلت صمود الدعوة ، فإن القبول وحده لا يعني أن الطريق إلى السودان أصبح معبدًا سياسياً وشعبياً ، هناك فارق كبير بين أن تملك ضمانة قانونية للحضور ، وأن تمتلك القبول الشعبي بالحضور ، وهذه هي النقطة التي ربما يدركها أعضاء صمود أكثر من غيرهم ، فالعودة إلى السودان ليست مجرد رحلة جوية أو عبور للحدود ، إنها عودة إلى مجتمع يحمل ذاكرة مثلقة بالألم ، وإلى شارع يرى أن مواقف القوى السياسية خلال الحرب لا يمكن فصلها عن نتائجها.

لقد اختارت صمود موقفاً سياسياً يشبه توجهها في الحرب ، بحسب ما هو معلن عن مواقفها وتحالفاتها ، وأثارت تلك المواقف غضب قطاعات واسعة من السودانيين الذين رأوا فيها اصطفافاً كاملًا مع المليشيا ، وهنا تصبح دعوة البرهان اختباراً حقيقياً ، إذا كانت صمود ترى أنها كانت على حق ، فالحوار هو المكان الطبيعي لتقديم حجتها أمام السودانيين وفي ارضهم ، أما إذا كانت ترى أن المجتمع لن يتقبلها ، فإن المشكلة ليست في دعوة البرهان ، وإنما في المسافة التي نشأت بينها وبين الشعب.

 

من اعتاد أن يأكل من فتات موائد الخارج ، قد يكتشف أن مائدة الوطن لا تُفتح إلا لمن يحمل همّه ، لا لمن يبحث عن موقعه فوق عنق المواطن ، لكن السودان لا يحتاج إلى إقصاء دائم ، كما لا يحتاج إلى تسويات تزيل ما بالنفس من وجع ، يحتاج إلى معادلة أكثر صعوبة ونضجاً ، حوار بلا انتقام ، وعدالة بلا انتقائية ، ومصالحة لا تساوي بين الضحية والجاني ، لذلك فإن دعوة البرهان في جوهرها ، قد تكون أكبر من مجرد دعوة إلى الجلوس ،

إنها دعوة إلى العودة إلى الداخل ، والعودة إلى الداخل تعني مواجهة الشعب قبل مواجهة السياسيين ، وهذا ما ينقص صمود ،

قد تُمنح الحصانة القانونية للمشارك في الحوار ، لكن لا توجد حصانة سياسية من ذاكرة الناس ، ولا قرار يستطيع أن يمنح أحداً حصانة من المسائلة الشعبية ،

فمن أراد أن يحكم السودان أو يشارك في صياغة مستقبله ، عليه أولاً أن يستطيع الوقوف أمام شعبه.

وهنا سيبقى السؤال مفتوحاً أمام صمود ، هل تستطيعون العودة إلى السودان ومواجهة الشعب الذي تقولون إنكم تمثلونه… لنا عودة.

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الوزراء يؤكد دعمه اللامحدود لكافة مشروعات تجمع السودانيين بالخارج

أكد معالي السيد رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس دعمه اللامحدود لكافة مشروعات تجمع السودان…