‫الرئيسية‬ مقالات المغترب السوداني في الخليج.. خلف صورة «الكبسة» حكاية من الصبر والاغتراب
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

المغترب السوداني في الخليج.. خلف صورة «الكبسة» حكاية من الصبر والاغتراب

د. بشارة حامد جبارة

أحيانًا تكشف المزحة العابرة واقعًا اجتماعيًا كاملًا دون أن يقصد صاحبها ذلك.

وصلتني من السودان رسالة من الاخ العزيز والصديق عمرسيكا، في وقت كنت فيه منشغلًا بصلاة الجمعة في المملكة العربية السعودية، مازحًا بقوله: «شكلك مشغول مع الكبسة»، في إشارة إلى وجبة الغداء الشهيرة التي ارتبطت في أذهان كثيرين بصورة الحياة الخليجية.

ابتسمت من العبارة، لكنها دفعتني إلى التفكير في صورة أخرى كثيرًا ما تُختزل فيها حياة المغترب السوداني في الخليج: راتب جيد، وبيت مستقر، وطعام وفير، وحياة مريحة، بينما الواقع الذي يعيشه كثير من هؤلاء أبعد ما يكون عن هذه الصورة النمطية.

خلف صورة الكبسة

المغترب السوداني في الخليج ليس بالضرورة ذلك الشخص الذي يعيش حياة الرفاهية التي يتخيلها البعض. فهناك آلاف السودانيين الذين يعملون في ظروف اقتصادية صعبة، ويحسبون مصروفاتهم بدقة شديدة، ويقتسمون السكن والطعام مع زملائهم، ويدفعون بصورة شهرية ما يعرف في أوساط العمال والموظفين بنظام «الشيرنق» أو المشاركة في تكاليف السكن والطعام.

وقد يكون الغداء بالنسبة لبعضهم عدسًا أو أرزًا أو دجاجًا أو أي وجبة بسيطة يجري إعدادها بصورة جماعية في «العزبة» أو سكن العزاب، وليس بالضرورة وجبة خليجية فاخرة.

بل إن كثيرًا من المغتربين يحرصون على تناول الأكلات السودانية الشعبية متى تيسرت لهم، مثل الكسرة وغيرها، لأنها ليست مجرد طعام، وإنما تحمل شيئًا من رائحة الوطن وذكريات الأسرة والأهل.

الحرب غيّرت معادلة الاغتراب

قبل الحرب كان المغترب السوداني يستطيع في كثير من الحالات أن يخطط لحياته بصورة أكثر استقرارًا: يعمل، ويوفر، وينزل في إجازة إلى السودان، ويلتقي أسرته، ويساعد والديه وأقاربه، ثم يعود إلى عمله.

أما بعد اندلاع الحرب، فقد تغيرت المعادلة بصورة كبيرة.

أصبح المغترب أمام مسؤوليات متضاعفة: أسرة قد تكون عالقة في ظروف الحرب، وأبناء يحتاجون إلى التعليم والرعاية، وديون تراكمت، والتزامات مالية مستمرة، وفي الوقت نفسه تكاليف معيشة وإقامة وسكن ومواصلات.

وبعضهم لم يتمكن من العودة إلى السودان لرؤية أسرته منذ بداية الحرب، ليس لأنه لا يريد، وإنما لأن الظروف الاقتصادية والإجراءات المتعلقة بالسفر والإقامة والعمل جعلت الأمر أكثر صعوبة.

راتب المغترب ليس كله له

من الأخطاء الشائعة النظر إلى راتب المغترب باعتباره مالًا فائضًا يمكنه أن ينفقه كيف يشاء.

المغترب غالبًا لديه قائمة طويلة من الالتزامات تبدأ من إيجار السكن وتكاليف الطعام والمواصلات والإقامة، ولا تنتهي عند إرسال الأموال إلى الأسرة في السودان.

وقد يكون راتبه موزعًا بين أسرة كاملة تعتمد عليه، وديون تراكمت خلال سنوات، ومصاريف تعليم وعلاج ومعيشة، والتزامات تجاه الوالدين والأقارب.

ولهذا فإن الرقم الذي يظهر في كشف الراتب لا يعكس بالضرورة مستوى الحياة الحقيقي الذي يعيشها صاحبه.

المغترب بين نارين

المغترب السوداني اليوم يعيش أحيانًا بين نارين: نار الغربة ونار المسؤولية.

فهو بعيد عن أهله، لكنه مطالب بأن يكون حاضرًا في حياتهم.

بعيد عن أبنائه، لكنه مطالب بتوفير احتياجاتهم.

بعيد عن وطنه، لكنه يتابع أخباره يوميًا، ويحمل هم الحرب والنازحين والمرضى والمحتاجين.

وقد يمر عليه عام كامل دون أن يستطيع أن يحتضن أمه أو أباه، أو يجلس مع زوجته وأطفاله، ثم يُنظر إليه من بعيد باعتباره «مغتربًا مرتاحًا».

وهنا تكمن المفارقة.

فالغربة ليست دائمًا رفاهية، بل قد تكون تضحية طويلة من أجل أن يعيش الآخرون بصورة أفضل.

بيوت العزابة.. اقتصاد المشاركة

هناك جانب آخر من حياة المغتربين لا يعرفه كثير من الناس، وهو حياة «العزابة».

مجموعة من الرجال يعيشون في سكن مشترك، يتقاسمون الإيجار والطعام ومصاريف الحياة اليومية، ويطبخون معًا، ويتعاونون في مواجهة أعباء المعيشة.

هذه البيوت قد تكون بسيطة جدًا، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى مساحة اجتماعية سودانية صغيرة؛ يتقاسم فيها الرجال الطعام، ويتبادلون الأخبار، ويتحدثون عن الوطن والأهل، ويخففون عن بعضهم وطأة الغربة.

ولذلك فإن الحديث عن المغترب ينبغي ألا يكون من خلال صور المطاعم الفاخرة والسيارات والحياة المرفهة فقط، وإنما من خلال هذه التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياته اليومية الحقيقية.

ليس كل مغترب في الخليج ميسورًا

الخليج ليس كتلة اقتصادية واحدة، والمغتربون السودانيون ليسوا طبقة واحدة.

هناك الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والمدير، وهناك الموظف والعامل والسائق والحرفي، ولكل واحد منهم ظروفه ودخله والتزاماته.

ومن الخطأ أن نعمم تجربة فئة محدودة على جميع المغتربين.

فالمغترب الذي يكسب دخلًا مرتفعًا ويعيش في ظروف جيدة ليس هو نفسه العامل الذي يسكن مع مجموعة من زملائه، ويحسب تكلفة كل وجبة، ويرسل معظم دخله إلى أسرته.

رسالة إلى أهل السودان

لذلك، عندما نتحدث عن المغتربين، علينا أن نتذكر أنهم ليسوا مجرد «صراف آلي» مفتوحًا أمام الأسرة والمجتمع.

إنهم بشر لهم طاقة محدودة، ويتعبون، ويقلقون، ويمرضون، ويشتاقون، ويمرون بأزمات مالية ونفسية واجتماعية، لكنهم في كثير من الأحيان يواصلون العمل لأن خلفهم أسرًا تنتظر منهم العون.

والحرب جعلت العبء أكبر.

فبدل أن يكون المغترب مسؤولًا عن أسرة صغيرة، أصبح في حالات كثيرة يحاول أن يحمل فوق كتفيه أعباء أسرة ممتدة، وربما أقارب فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب.

ومن هنا فإن أقل ما يستحقه المغترب هو التقدير والفهم والرحمة، لا الأحكام المسبقة.

«الكبسة» ليست القضية

أما الكبسة، فهي وجبة كريمة ومحبوبة، ولا خلاف في ذلك، لكنها ليست عنوان حياة المغترب السوداني.

وربما يكون الأصح أن نسأل قبل أن نقول: «أنت في الخليج، ماذا ينقصك؟»

أن نسأل:

كم شهرًا مضى منذ رأيت أبناءك؟

كم من راتبك يذهب إلى أسرتك؟

كم دينًا تحمل؟

وكم مرة أجلت إجازتك لأنك لا تستطيع تحمل تكاليف السفر؟

وكم مرة ابتسمت لأهلك عبر الهاتف بينما كنت تخفي عنهم ضيقك حتى لا تزيد همومهم؟

هذه هي الأسئلة التي تكشف حقيقة الغربة.

المغترب.. سفير صامت للوطن

المغترب السوداني في الخليج، رغم كل الظروف، يظل واحدًا من أهم روافد دعم الأسرة والمجتمع والوطن.

وفي زمن الحرب تحديدًا، تحمل كثير من المغتربين مسؤوليات ضخمة في إعالة أسرهم ومساعدة أقاربهم ودعم المحتاجين.

لذلك لا ينبغي أن ننظر إليه بعين الصورة النمطية، ولا أن نختصر حياته في مظهر خارجي أو وجبة أو سيارة.

خلف كل مغترب قصة لا يعرفها إلا الله.

وقد يكون ذلك الرجل الذي تراه مبتسمًا في مجلس الأصدقاء، ويمازحك عن الكبسة، قد قضى سنوات كاملة بعيدًا عن أسرته، يعمل ويكدح ويوفر، ثم يرسل معظم ما يحصل عليه إلى أهله، ويعود إلى غرفته أو «عزبته» وحيدًا، يحمل شوق الوطن وهم الأسرة وقلق المستقبل.

إنها ليست حياة كبسة كما يتخيل البعض.

إنها حياة صبر، ومسؤولية، واغتراب، وتضحيات لا تُرى بسهولة.

 

والله المستعان.

‫شاهد أيضًا‬

المجاهد كيكل….!!

يعتبر هذا العمود الرابع تقريبا عن المجاهد ابو عاقلة كيكل ….كله كلام يصب في خانة اني …