كيف نحول المحنة لمنحة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

إن السؤال الذي يجب أن يشغل عقل كل سوداني اليوم ليس كيف ننهي الحرب فحسب، بل كيف نحول هذه المحنة لمنحة وأن الحرب بكل دمائها ودموعها وخرابها إلى آخر حرب في تاريخ السودان، وكيف نجعل من هذه المحنة العظيمة نقطة الانطلاق التاريخية التي يبدأ منها ميلاد السودان كدولة عظمى لا كدولة تبحث عن عن البنك الدولي ، دولة تصنع القرار ولا تنتظره، دولة تملك قوتها بيدها وقوت شعبها بيدها، فالأمم العظيمة لم تصنعها الموائد المستديرة ولا مؤتمرات المانحين، بل صنعتها الأزمات الكبرى حين قررت أن تستثمر في جراحها بدل أن تندبها.
ولكي يكون السودان دولة عظمى فإن الطريق يبدأ أولاً من إعادة تعريف الدولة نفسها، فالسودان ليس دولة فقيرة على الإطلاق، بل دولة غنية أفقرتها سوء الإدارات المتعاقبة، دولة تملك ما لا تملكه قارة بأكملها، تملك أكثر من مائتي مليون فدان صالحة للزراعة يزرع منها أقل من الثلث، ويجري من تحته نهر النيل وأنهار موسمية ومياه جوفية تكفي لزراعة أفريقيا كلها، وتملك في باطنها ذهباً يقال إنه ثالث احتياطي في أفريقيا، ونحاساًويورانيوم وحديداً ونفطاً لم يستكشف بعد، وتملك موقعاً جيوسياسياً لا مثيل له يربط البحر الأحمر بأعماق أفريقيا ويجعلها بوابة العرب إلى أفريقيا وبوابة أفريقيا إلى العرب، فالمشكلة لم تكن يوماً في الموارد بل كانت في غياب المشروع الوطني الجامع الذي يحول هذه الموارد إلى قوة.
والدولة العظمى لا تبنى إلا بجيش عظيم، والتاريخ يعلمنا أن كل نهضة حقيقية سبقها بناء مؤسسة عسكرية قوية محترفة ، جيش يكون هو المصنع وهو المدرسة وهو القدوة، ولذلك فإن أولى خطوات العظمة هي بناء قوات مسلحة لا مثيل لها في الإقليم، جيش يملك تصنيعه الحربي الخاص به، ويملك طيرانه ومسيراته وأقماره الصناعية، إن قوة الجيش من قوة الدولة والعالم لايحترم الا القوي.
ثم إن الدولة العظمى لا تقوم على الجيش وحده بل تقوم على الإنسان، فالاستثمار الحقيقي ليس في الذهب الذي نستخرجه من الأرض بل في الذهب الذي يمشي على الأرض وهو الإنسان السوداني، هذا الإنسان الذي أدهش العالم بذكائه وصبره وكرمه وشجاعته في هذه الحرب، يحتاج إلى تعليم مختلف، تعليم يخرج مهندس الطائرات لا مهندس الاعتماد على الغير، ويخرج طبيباً يصنع الدواء لا يستورده، ويخرج مزارعاًيدير مزرعته بالذكاء الاصطناعي لا بالمنجل، وإن أي أمة تريد أن تكون عظمى يجب أن تجعل ميزانية التعليم والبحث العلمي فوق ميزانية كل شيء، فبالعلم حكمت أمريكا العالم وبالعلم عادت رواندا من الإبادة وبالعلم سيعود السودان.
ثم يأتي الاقتصاد، ولا يمكن أن نكون دولة عظمى ونحن نبيع موادنا الخام بأبخس الأثمان ثم نستوردها مصنعة بأغلى الأثمان، إن العظمة الاقتصادية للسودان تكمن في كلمة واحدة هي التصنيع، أن نطحن قمحنا في السودان ونغزل قطننا في السودان ونصفي ذهبنا في السودان ونصنع دواءنا في السودان، وأن نغلق الباب أمام تصدير أي مادة خام دون قيمة مضافة، فحينها فقط سنخلق الوظائف ونوقف الهجرة ونبني احتياطياً من العملة الصعبة يجعل جنيهنا عملة محترمة، والدولة العظمى هي التي يطلب العالم منتجاتها لا التي تطلب منتجات العالم.
ثم إن السودان لن يكون دولة عظمى إلا إذا تصالح مع نفسه، فلا عظمة مع انقسام ولا قوة مع قبيلة ولا مجد مع خطاب تفرقة، إن مشروع الدولة العظمى يتطلب عدالة انتقالية حقيقية ومصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحداً إلا من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، ويتطلب دستوراً دائماً يحترمه الجميع ويحتكم إليه الجميع، ويتطلب حكماً رشيداً لامجل فيه للترضيات السياسية، فالشعوب لا تلتف حول الحكومة بل تلتف حول فكرة العدالة، فإذا وجدت العدالة وجد الانتماء وإذا وجد الانتماء جاءت التضحية وجاءت العظمة من تلقاء نفسها.
إن السودان يملك كل مقومات الدولة العظمى، يملك الأرض والماء والذهب والرجال والتاريخ والحضارة التي علمت العالم الكتابة قبل سبعة آلاف عام، وما ينقصه اليوم هو القرار الشجاع والإرادة السياسية التي تنظر إلى ما بعد الحرب لا إلى تحت أقدامها، إنها لحظة تاريخية فارقة، فإما أن نخرج من هذه الحرب ونحن دولة عظمى يخطب العالم ودها، وإما أن نخرج منها ونحن ننتظر الإغاثة مرة أخرى، والخيار بأيدينا نحن لا بيد أحد غيرنا.
meehad74@gmail.com
مؤتمر بالخرطوم يبحث تعافي القطاع الخاص ودوره في إعادة الإعمار
شارك وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، في الجلسة الافتتاحية…





