البرهان والسيادة خط أحمر
أمواج ناعمة د. ياسر محجوب الحسين

رغم الزمان الذي تتهاوى فيه المعايير، وتتساقط فيه الأقنعة، وتتحول فيه المنابر الدولية إلى أدوات ضغط رخيص، يبرز عبد الفتاح البرهان ليس كمجرد قائد عسكري أو رئيس سلطة انتقالية، بل كرمز حي للسيادة الوطنية السودانية. السيادة التي يصر الوطنيون على أن تكون خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه بأي ثمن.
الشعب السوداني بأسره يقف خلف السيادة التي يمثلها البرهان في وجه الصلف الأمريكي. ليس هذا كلام شعارات بدون شك، بل حقيقة يفرضها الواقع. فالرجل يقود البلاد في فترة عصيبة جدا، أعقد مما مر على السودان منذ عقود، حيث تتقاطع مصالح إقليمية ودولية، فينما تغوص مليشيا الدعم السريع في وحل التراجع والهزيمة، تحاول واشنطن فرض تسويات انهزامية تحت غطاء «السلام».
ننتقد البرهان، وهذا من واجبنا الوطني. الانتقاد حق مشروع، بل واجب مقدس تفرضه مهنة الصحافة وضمير المواطنة. ننتقد القرارات، ونعدد سلبيات الأداء، ونسهم بالرأي على قدر المستطاع في رسم الطريق. لكن يجب أن يكون هناك فاصل جلي واضح بين النقد والتقويم والإسهام بالرأي من جهة، وبين البرهان كرئيس شرعي للبلاد يقودها في لحظة تاريخية فارقة من جهة أخرى. أَبَى من أَبَى ورضي من رضي، فالرجل يحظى بشعبية تفويضية لا شك فيها، شعبية نابعة من إدراك الشارع أن السيادة ليست ترفا، وأن من يفرط فيها اليوم لن يجد وطنا غدا.
من أراد الدفاع عن الوطن فعليه الدفاع عن سيادته التي يمثلها البرهان. الدفاع عن السيادة ليس دفاعا عن شخص، بل دفاع عن كيان الدولة وحقها في تقرير مصيرها بعيدا عن الإملاءات. والرجل، حسب ما نعلم، لا يضيق ذرعا بالنقد، ولا يعمل سلطاته لمطاردة منتقديه. هذه حقيقة يجب أن تُسجل، لأنها تميز موقفه عن كثير من التجارب التي حولت النقد إلى جريمة.
أما القرار الأمريكي برفض منح البرهان تأشيرة حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهو قرار سياسي بامتياز، لا علاقة له برؤية الأمم المتحدة ولا بقيمها المعلنة. إنه يعكس أجندة الإدارة الأمريكية تجاه الأزمة السودانية، ويستخدم موقع المقر الأممي على الأراضي الأمريكية كأداة ابتزاز. الاشتراط بقبول الهدنة التي طرحها مسعد بولس ليس إجراء إداريا، بل ضغط سياسي واضح يهدف إلى فرض تسوية مختلة الموازين، تسوية رضوخ تتيح لمليشيا الدعم السريع إعادة التموضع بعد أن تاهت في صحراء الانكسار، دون معالجة جذور الصراع.
هذا الإجراء يخالف التزامات اتفاقية المقر لعام 1947، التي تنص صراحة على منح التأشيرات دون قيد أو شرط سياسي، بصرف النظر عن طبيعة العلاقات. حق أمريكا في اعتبارات أمنية لا يبرر الربط بشروط سياسية خارج هذا النطاق، وهو ما تؤكده السوابق القانونية. ذريعة «المؤسسات والقانون» غطاء لا يصمد أمام الحقيقة؛ فالاتفاقية تُلزم الدولة المضيفة بالوصول بغض النظر عن الخلاف السياسي. وسوابق عرفات عام 1988 والبشير عام 2013 تكشف نمطا متكررا من توظيف التأشيرات كأداة ضغط لا كإجراء محايد.
من غير المرجح أن ينجح هذا الضغط على المدى الطويل. التاريخ السوداني يشهد بصمود أمام عقود من الضغوط الأمريكية. فرض تسوية مختلة قد يغذي المقاومة بدل أن يصنع سلاما. البدائل متاحة: المشاركة عبر الفيديو، أو نقل الجلسة كما حدث في جنيف 1988، لضمان حق الدولة العضو دون الرضوخ.
الخطوة الأمريكية تكشف توظيفا سياسيا لموقع المقر يتعارض مع الالتزامات الدولية، ولا يضمن تسوية مستدامة. فيما يتمسك الموقف السوداني الرسمي بالسلام الحقيقي، مع رفض الشروط المرتبطة بإنقاذ طرف مهزوم.
السيادة خط أحمر. والبرهان اليوم يمثل هذا الخط. من يفرط فيه يفرط في الوطن. ومن يدافع عنه يدافع عن مستقبل السودان وكرامته. هذا هو الموقف، وهذا هو الواجب.
الإعيسر من داخلية علي عبد الفتاح: حكومة البرهان هي حكومة شعب السودان
أكد وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر أن حكومة البرهان هي حكومة السودان …





