وزارة الصناعة والتجارة.. حصيلة غائبة
رحمة عبدالمنعم

تواجه الصناعة السودانية واحدة من أقسى مراحلها، بعد أن خلفت الحرب دماراً واسعاً في المصانع والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، ووفق البيانات الواردة عن وزارة الصناعة، تضررت نحو 1800 منشأة صناعية، بينها 650 مصنعاً تعرضت للتدمير الكامل، فيما قدّر اتحاد الغرف الصناعية خسائر القطاع بما يتراوح بين 50 و58 مليار دولار، أرقام بهذا الحجم تجعل ملف الصناعة قضية اقتصادية وطنية، وتضع وزارة الصناعة والتجارة أمام مسؤولية مباشرة في قيادة عملية التعافي واستعادة الإنتاج.
تتولى وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب مسؤولية الوزارة منذ عام 2023، ثم أعيد تعيينها في يوليو 2025 ضمن حكومة الدكتور كامل إدريس، وهي فترة تتيح مساحة كافية لتقييم الأداء وفق نتائج واضحة وقابلة للقياس، في مقدمتها عدد المصانع التي عادت إلى العمل، وحجم التمويل الذي وصل إلى المنشآت المتضررة، والتسهيلات التي قدمت للمستثمرين، ومستوى استعادة الطاقة الإنتاجية،وحتى الآن تبدو الحصيلة المعلنة محدودة قياساً بحجم الأزمة التي يواجهها القطاع.
إعلان الوزارة تشكيل لجنة عليا لإعادة تأهيل وتطوير المناطق الصناعية بولاية الخرطوم يمكن فهمه من الناحية الفنية، غير أن الأزمة الصناعية تجاوزت مرحلة الحصر والتقييم،فأصحاب المصانع يحتاجون إلى تمويل لإعادة التأهيل، وضمانات مصرفية، وتسهيلات جمركية وضريبية، ومعالجات عاجلة لمشكلات الكهرباء والوقود والنقل، إلى جانب برنامج واضح لإعادة خطوط الإنتاج إلى العمل.
قيمة أي لجنة في هذه المرحلة تظهر في القرارات القابلة للتنفيذ، وفي عدد المصانع التي تعود إلى الإنتاج، والوظائف التي تتم استعادتها، لا في كثرة الاجتماعات والتوصيات، فالقطاع الصناعي بعد خسائر تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، يحتاج إلى أدوات إنقاذ اقتصادية حقيقية تتناسب مع حجم الضرر الذي لحق به.
وتزداد أهمية هذا الملف مع ما أورده الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية عباس علي السيد عن غياب خطة حكومية شاملة ومعلنة لمرحلة ما بعد الحرب، وعن إدارة الأولويات عبر مبادرات متفرقة بدلاً من رؤية وطنية تستند إلى بيانات دقيقة،وإذا كان القطاع الصناعي نفسه لا يرى أمامه خريطة واضحة للتعافي، فإن الوزارة تصبح مطالبة بتقديم برنامج اقتصادي محدد يوضح الأولويات، ومصادر التمويل، والجداول الزمنية، وآليات التنفيذ.
ملف حظر استيراد 46 سلعة يقدم بدوره نموذجاً يحتاج إلى مراجعة دقيقة، فالقرار صدر بهدف تقليل الضغط على النقد الأجنبي والحد من الإنفاق على بعض الواردات، ثم أعلنت وزيرة الصناعة والتجارة لاحقاً عن إجراء تقييم شامل لآثاره الإيجابية والسلبية وجدواه، وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم، ما الدراسات التي سبقت اتخاذ القرار؟ وما المؤشرات التي ستحدد نجاحه أو الحاجة إلى تعديله؟
السياسات التجارية تؤثر بصورة مباشرة في الأسعار، وتوافر السلع والإنتاج المحلي، وسوق العملات الأجنبية، ولذلك تحتاج إلى دراسات مسبقة ومعايير معلنة، ومواعيد واضحة لمراجعة النتائج، فالسوق لا يحتمل قرارات مفتوحة بلا تقييم زمني محدد، خاصة في اقتصاد يواجه ضغوط الحرب وشح الموارد، واضطراب سلاسل الإمداد.
أما الجدل الذي صاحب الظهور الإعلامي الأخير لوزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب، عقب لقائها برئيس الوزراء، والتركيز على تلعثمها أثناء الحديث، فهو نقاش يبتعد عن جوهر المساءلة الاقتصادية، فطريقة الحديث أمام الكاميرا ليست المعيار الحقيقي لتقييم مسؤول حكومي، وإنما المعيار الأكثر أهمية هو الأداء التنفيذي، وحجم ما تحقق، وأثر السياسات على الصناعة والأسواق والاستثمار.
لذلك فإن الإشكال الأكبر في أداء الوزيرة لا ينبغي اختزاله في ظهور إعلامي أو طريقة حديث، بل في الحصيلة التنفيذية نفسها، فبحسب ما هو معلن ومتاح للرأي العام، لا تظهر حتى الآن نتائج بحجم التحديات التي تواجه قطاعاً يُعد من أكثر قطاعات الاقتصاد تضرراً وحساسية، كما لا تبدو هناك رؤية صناعية واسعة ومعلنة، تقوم على مشروعات محددة، وأهداف رقمية، وجداول زمنية واضحة، يمكن أن تمنح القطاع الثقة في مسار التعافي.
ومن ثم فإن السؤال لا يتعلق بصورة الوزيرة أمام الكاميرا، بل بقدرة القيادة الحالية للوزارة على تقديم برنامج بحجم الأزمة، وبما إذا كان النهج المتبع قادراً على إحداث التحول المطلوب في هذا القطاع الحيوي.
الصناعة السودانية تحتاج إلى برنامج تعافٍ اقتصادي واضح يبدأ بحصر دقيق للخسائر، وترتيب المصانع حسب أولوية العودة، وتوفير تمويل لإعادة التأهيل، وتقديم حوافز لاستعادة الاستثمار، وضمانات تساعد المنشآت على استئناف الإنتاج،فكل شهر تتأخر فيه عودة المصانع يعني إنتاجاً أقل، ووظائف أقل، واعتماداً أكبر على الاستيراد، وضغطاً إضافياً على النقد الأجنبي والأسعار.
وبعد سنوات من تولي محاسن علي يعقوب مسؤولية الوزارة، يصبح من حق القطاع الصناعي والرأي العام معرفة الحصيلة بالأرقام،كم مصنعاً عاد إلى الإنتاج؟ وما حجم التمويل الذي تم توفيره أو المساهمة في توفيره؟ وكم استثماراً جرى دعمه أو استعادته؟ وما الجدول الزمني لإعادة بناء قاعدة صناعية تكبدت خسائر ضخمة خلال الحرب؟
هذه ليست أسئلة سياسية بقدر ما هي أسئلة اقتصادية تتصل بالمساءلة وكفاءة إدارة الموارد،فالوزارة التي تتولى ملفاً بهذا الحجم مطالبة بأن تقدم للرأي العام ميزاناً واضحاً بين ما تسلمته من تحديات وما أنجزته فعلياً، وأن تضع أهدافاً يمكن قياسها ومحاسبتها عليها، بدلاً من الاكتفاء باللجان والاجتماعات والتصريحات العامة.
في اقتصاد أنهكته الحرب، لا تكفي اللجان ولا الخطط العامة،المعيار الحقيقي لنجاح وزارة الصناعة والتجارة هو عودة خطوط الإنتاج إلى الدوران، واستعادة الوظائف، وزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وعند ظهور هذه النتائج بالأرقام فقط يمكن الحديث عن بداية تعافٍ صناعي حقيقي.
يابرهان شرًفت الوطن والشعب..الغباء الأمريكي زاد شعبيتك
*(١)* *أضطر بلا تردد لأشكر (غباء) السياسة الخارجية لأمريكا التي (اشترطت) علي القائد السودا…





