أمريكا تخرق اتفاقية المقر بابتزاز مكشوف
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

ليس هناك في قاموس الدبلوماسية والقانون الدولي ما يسمى تأشيرة مشروطة بوقف حرب، هناك منح للتأشيرة وهناك رفض للتأشيرة، وما بينهما لا يوجد إلا التحايل والابتزاز والخداع السياسي، وما فعلته الإدارة الأمريكية مع السيد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة لا يمكن توصيفه قانوناً إلا بأنه رفض مكتمل الأركان وخرق فاضح لاتفاقية مقر الأمم المتحدة، رفض ألبس ثوب الشرط الإنساني حتى يتهرب من المسؤولية القانونية.
إن الأصل في القانون أن الولايات المتحدة الأمريكية عندما وقعت اتفاقية المقر مع الأمم المتحدة عام ١٩٤٧م تعهدت والتزمت أمام كل دول العالم بأنها ليست صاحبة الأرض التي عليها المبنى فقط بل هي حارسة للمبنى وأنها ملزمة بموجب المواد ١١ و ١٢ و ١٣ من الاتفاقية بأن تسمح بدخول جميع ممثلي الدول الأعضاء وجميع الأشخاص المدعوين إلى أعمال الأمم المتحدة دون أي إبطاء ودون أي تمييز وبغض النظر عن علاقاتها الثنائية مع تلك الدول، بمعنى أن التأشيرة التي تمنح لرئيس دولة ذاهب إلى الأمم المتحدة ليست تأشيرة سياحية ولا تأشيرة هجرة تمن بها أمريكا على الناس، بل هي حق سيادي للدولة العضو وواجب قانوني على الدولة المضيفة، لا تملك أمريكا أن تمنعه ولا أن تؤخره ولا أن تساوم عليه.
هذا هو المنح، المنح هو إجراء إداري مجرد، ورقة تختم في المطار لتمكين الرئيس من أداء واجبه الدولي، أما ما حدث فليس منحاً بل هو اشتراط، والاشتراط في القانون الدولي هو صورة من صور الإكراه السياسي، عندما تقول لرئيس دولة سأمنحك حقك القانوني في الدخول لكن بشرط أن توقف جيشك تسعين يوماً، فأنت هنا لم تعد تتعامل مع التأشيرة كإجراء إداري بل حولتها إلى سلاح حرب وإلى أداة تدخل سافر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، وهذا يخالف ميثاق الأمم المتحدة نفسه في المادة الثانية فقرة ٧ التي تحرم التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي للدول.
والفقه الدولي مستقر على قاعدة واضحة وهي أن التأشيرة المشروطة تساوي الرفض، ويسميها الفقهاء الرفض البناء Constructive Refusal أو الرفض المقنع، فأنت لم تقل بلسانك أنا أرفض منحك التأشيرة حتى لا تذهب بك السودان إلى محكمة العدل الدولية وتطلب إدانتك وحتى لا يطالب السودان بنقل مقر الأمم المتحدة خارج نيويورك كما حدث من قبل، بل لجأت إلى الحيلة فوضعت شرطاً تعجيزياً تعلم يقيناً أن القائد العام لجيش يخوض معركة وجود لن يقبل به، تعلم أن جيشاً يتقدم في كردفان ودارفور ويحاصر المليشيا لن يوقف عملياته تسعين يوماً لكي تلتقط المليشيا أنفاسها، فتكون النتيجة العملية التي تريدها قد تحققت وهي منع الرئيس من الصعود إلى منصة الأمم المتحدة، لكن مع حفظ ماء الوجه أمام العالم بأنك لم ترفض بل اشترطت.
وهنا يتضح المخطط الأكبر الذي تحدثنا عنه، فالشرط لم يولد في واشنطن، بل ولد في أبوظبي، فأبوظبي التي ترى مليشياتها تنهار وتطلب النجدة، لا تستطيع أن تقول للجيش السوداني أوقف الحرب لأنها ليست طرفاً معترفاً به، فطلبت من وكيلها الأمريكي أن يضع هذا الشرط، تسعون يوماً هي كل ما تحتاجه المليشيا لإعادة التموضع وإدخال السلاح والمسيرات والمرتزقة عبر الحدود التشادية والإثيوبية، تسعون يوماً هي هدنة إجبارية تفرض على الجيش المنتصر لإنقاذ المليشيا المهزومة، فجاءت التأشيرة كغطاء دبلوماسي لهذا الإنقاذ.
لذلك فإن رفض سيدي الرئيس لهذا العرض لم يكن رفضاً لتأشيرة بل كان رفضاً لمحاولة تركيع ولإملاء خارجي ولخرق قانوني، كان رفضاً سيادياً سليماً من الناحية القانونية مائة بالمائة، لأنه لا يوجد رئيس في العالم يقبل أن يساوم على قرار جيشه مقابل ختم دخول على جواز سفر، ولو قبل الرئيس بهذا الشرط لكان قد أسس سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة، وهي أن الدولة المضيفة أصبحت تملك حق فرض شروط سياسية على رؤساء الدول مقابل تمكينهم من دخول المنظمة الدولية، وهذا يعني عملياً نهاية الأمم المتحدة وتحولها إلى وزارة خارجية أمريكية تمنح التأشيرة لمن يطيع وتسحبها ممن يعصي.
إن ما حدث يثبت مرة أخرى أن أحسن تعامل مع أمريكا هو رفع العصا الغليظة وأن القانون الدولي لا يحمي إلا الأقوياء، فكوريا الشمالية التي لا تعترف بالأمم المتحدة أصلاً لا تجرؤ أمريكا أن تشترط عليها شيئاً، وإيران التي تغلق مضيق هرمز لا تجرؤ أمريكا أن تمنع رئيسها من الدخول، أما الدول التي تتعامل بلغة الاستجداء فهي التي تبتز بتأشيرة.
وعليه فإن السودان اليوم أمام لحظة قانونية وسياسية فارقة، عليه أن يذهب إلى الأمم المتحدة نفسها لا إلى واشنطن، وأن يقدم شكوى رسمية بخرق اتفاقية المقر وأن يطلب من الجمعية العامة إدانة هذا السلوك الابتزازي وأن يلوح بورقة نقل بعض أعمال الأمم المتحدة خارج أمريكا كما لوحت بذلك دول كثيرة من قبل، وأن يعلن للعالم أن السودان لم يرفض التأشيرة بل رفض الابتزاز، وأن أمريكا هي التي رفضت منح التأشيرة عندما حولتها من حق إلى سلعة تباع وتشترى بوقف إطلاق النار، وهذا في ميزان القانون هو رفض موصوف ومكتمل الأركان يتحمل تبعاته من اشترط لا من رفض الاشتراط.
meehad74@gmail.com
وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية: تقييم مراكز الأطراف الصناعية خلال 30 يوماً وتشغيل المستعاد منها خلال 90 يوماً
أكد وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، أن الوزارة ماضية في ت…




