أمريكا… والابتزاز السياسي الرخيص
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

لم تعد أمريكا تلك الأسطورة التي باعوها لنا في الكتب والأفلام، أسطورة الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، لقد سقط القناع وانكشفت الحقيقة عارية، أمريكا اليوم تمارس أرخص أنواع الابتزاز السياسي في تاريخ العلاقات الدولية، تضع حذاءها على رقاب الشعوب وترفع في وجهها لافتة الحرية المزيفة.
ما تمارسه واشنطن ضد السودان ليس سياسة ولا دبلوماسية، بل هو ابتزاز مفضوح ومكرر وممجوج، هي لا تريد سلاماً ولا استقراراً، هي تريد سوداناً ضعيفاً ممزقاً على مقاسها، تريد حكومة من وكلائها الذين تصنعهم في فنادق الخارج، يوقعون لها على ثروات البلاد وموانئها وقرارها السيادي دون تردد، وحين يرفض الشعب هذا النموذج العميل ويقف خلف جيشه ومؤسساته الوطنية، تخرج أمريكا عصاها الغليظة، عصا العقوبات والحصار والتجويع وتلويح المطارات والبنوك، وكأنها تقول إما أن تركعوا أو نجوعكم، إما أن تسلموا قراركم أو نحاصركم، وهذا في قاموس السياسة لا يسمى ضغطاً، بل يسمى ابتزازاً رخيصاً تمارسه العصابات لا الدول العظمى.
إن ازدواجية المعايير هي العقيدة الجديدة لواشنطن، فحين يكون القتل في مصلحتها تسميه دفاعاً عن النفس، وحين يكون الدفاع عن الوطن ضد عملائها تسميه انتهاكاً لحقوق الإنسان، تدعم المليشيا بالسلاح والغطاء الإقليمي عبر حلفائها ثم تذرف دموع التماسيح على المدنيين، تفرض العقوبات على الجيش الوطني الذي يحمي الأرض والعرض ويسكن في الخنادق مع شعبه، وتصمت صمت القبور عن من يحرق القرى وينهب البيوت ويغتصب الحرائر ويهجر الملايين، فأي عدالة هذه وأي ضمير هذا الذي يكيل بمكيالين ويزن بميزانين.
وكلما فشلت خططها على الأرض وأحست أن عملاءها يلفظون أنفاسهم الأخيرة في الميدان، أخرجت من درج مكتبها الملف الأكثر استهلاكاً، ملف حقوق الإنسان، آخر ورقة توت تستر بها عورتها السياسية، فمن أعطاها الحق لتكون قاضي العالم وجلاده في آن واحد، أمريكا التي أبادت الهنود الحمر وألقت القنبلة الذرية على رؤوس الأبرياء ودمرت العراق وأفغانستان وقتلت مليون طفل عراقي بالحصار، هل هي حقاً من يعطينا دروساً في الإنسانية، فاقد الشيء لا يعطيه والتاريخ لا ينسى.
لقد فهم الشعب السوداني اللعبة جيداً، وعرف أن المبادرات الأمريكية لا تأتي حباً في السودان ولا حرصاً على دمه، بل تأتي فقط حين تشعر واشنطن أن مصالحها مهددة وأن مشروعها العميل على وشك السقوط والانهيار، لذلك فالحكم في هذه المحكمة واضح لا لبس فيه، أمريكا مدانة بتهمة الابتزاز السياسي الرخيص ومدانة بتهمة تدمير الشعوب باسم إنقاذها ومدانة بتهمة الكذب الممنهج باسم الحقيقة.
والدرس الذي يجب أن نحفظه عن ظهر قلب هو أن أمريكا لا تحترم إلا القوي ولا تفهم إلا لغة المصالح، وكل تنازل تقدمه لها اليوم ستطالبك غداً بعشرة أضعافه، ولن ينقذ السودان إلا وحدته وتماسكه والتفافه حول جيشه، وكلمته التي قالها وسيقولها دائماً، لا مساومة على السيادة ولا مكان للابتزاز ولو جاع الناس جميعاً، السودان سيبقى شامخاً وستذهب كل مشاريع الابتزاز إلى مزبلة التاريخ.
meehad74@gmail.com
نبته للإنتاج الفني والإعلامي تتوج بالجائزة الذهبية
في إنجاز جديد يضاف إلى رصيد الإبداع الإعلامي العربي، توجت نبته للإنتاج الفني والإعلامي بال…





